وكانَ قَلبُهُ يَتَفَطَّرُ ألَماً مِن مُعاوِيَة . وطالَما كانَ يَبرَأُ مِن هذَا الوَجهِ القَبيحِ لِحِزبِ الطُّلَقاء الَّذي تَأَمَّرَ عَلَى المُسلِمين ، ويَدعو عَلَيهِ مَعَ جَمعٍ مِنَ الشّيعَة . وهُوَ الحِزبُ الَّذي كانَ رَسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وَصَفَهُ بِأَ نَّهُ مَلعونٌ . وكانَ حُجر يَقِفُ لِلدِّفاعِ عَنِ العَقيدَةِ وأهلِ البَيت عليهم السلام بِلا وَجَلٍ ، ويُعَنِّفُ المُغيرَة الَّذي كانَ فَرداً في رِجسِهِ وقُبحِهِ ورَذالَتِهِ ، وقَد تَسَلَّطَ عَلَى الكوفَة في أثناءِ حُكومَةِ الطُّلَقاء ، وكانَ يَطعَنُ في عَلِيٍّ عليه السلام وشيعَتِهِ . وضاقَ مُعاوِيَة ذَرعاً بِحُجر وبِمَواقِفِهِ وكَشفِهِ الحَقائِقَ ، وصَلابَتِهِ ، وثَباتِهِ ، فَأَمَرَ بِقَتلِهِ وتَمَّ تَنفيذُ أمرِهِ ، فَاستُشهِدَ ذلِكَ الرَّجُلُ الصّالِحُ في «مَرج عَذراء» سَنَةَ ۵۱ ه ، مَعَ ثُلَّةٍ مِن رِفاقِهِ .
وكانَ حُجر وَجيهاً عِندَ النّاسِ ، وذا شَخصِيَّةٍ مَحبوبَةٍ نافِذَةٍ ، وَمنزِلَةٍ حَسَنَةٍ ، فَكَبُرَ عَلَيهِمُ استِشهادُهُ ، وَاحتَجّوا عَلى مُعاوِيَة ، وقَرَّعوهُ عَلى فِعلِهِ القَبيحِ هذا . وكانَ الإِمامُ الحُسَين عليه السلام مِمَّن تَأَ لَّمَ كَثيراً لاِستِشهادِهِ ، وَاعتَرَضَ عَلى مُعاوِيَة في رِسالَةٍ بَليغَةٍ لَهُ أثنى فيها ثَناءً بالِغاً عَلى حُجر ، وذَكَرَ استِفظاعَهُ لِلظُّلمِ ، وذَكَّرَ مُعاوِيَة بِنَكثِهِ لِلعَهدِ ، وإراقَتِهِ دَمَ حُجرالطّاهِرَ ظُلماً وعُدواناً . وَاعتَرَضَت عائِشَة أيضاً عَلى مُعاوِيَة مِن خِلالِ ذِكرِها حَديثاً حَولَ شُهَداءِ «مَرج عَذراء» .
وكانَ مُعاوِيَة ـ عَلى مَا اتَّصَفَ بِهِ مِن فَسادِ الضَّميرِ ـ يَرى قَتلَ حُجرمِن أخطائِهِ ، ويُعَبِّرُ عَن نَدَمِهِ عَلى ذلِكَ ، وقالَ عِندَ دُنُوِّ أجَلِهِ : لَو كانَ ناصِحٌ لَمَنَعَنا مِن قَتلِهِ !
وقَتَلَ مُصعَبُ بنُ الزُّبَير وَلَدَي حُجر : عُبَيدَ اللّه ، وعَبدَ الرَّحمن صَبراً .
وكانَ الإِمامُ أميرُ المُؤمِنين عليه السلام قَد أخبَرَ بِاستِشهادِهِ مِن قَبلُ ، وشَبَّهَ استِشهادَهُ ، وصَحبِهِ بِاستِشهادِ «أصحابِ الاُخدود» .