241
جواهر الحكمة للشّباب

عَلى تَقريبهِ لَنا وقُربِهِ مِنّا لا نُكَلِّمُهُ هَيبَةً لَهُ ، ولا نَبتَدِئُهُ لِعِظَمِهِ في نُفوسِنا ، يَبسِمُ عَن ثَغرٍ كَاللُّؤلُؤِ المَنظومِ ، يُعَظِّمُ أهلَ الدّينِ ، ويَرحَمُ المَساكينَ ، وَيُطعِمُ فِيالمَسغَبَةِ يَتيما ذا مَقرَبَةٍ أو مِسكينا ذا مَترَبَةٍ ، يَكسُو العُريانَ ، ويَنصُرُ اللَّهفانَ ، وَيستَوحِشُ مِنَ الدُّنيا وزَهرَتِها ، ويَأنَسُ بِاللَّيلِ وظُلمَتِهِ .
وكَأَنّي بِهِ وقَد أرخَى اللَّيلُ سُدولَهُ ، وغارَت نُجومُهُ ، وهُوَ في مِحرابِهِ قابِضٌ عَلى لِحيَتِهِ ، يَتَمَلمَلُ تَمَلمُلَ السَّليمِ ۱ ، ويَبكي بَكاءَ الحَزينِ ، ويَقولُ : «يا دُنيا غُرّي غَيري ، إلَيَّ تَعَرَّضتِ أم إلَيَّ تَشَوَّفتِ ؟ هَيهاتَ هَيهاتَ ! لا حانَ حينُكِ ، قَد أبَنتُكِ ثَلاثا لا رَجعَةَ لي فيكِ ، عُمُرُكِ قَصيرٌ ، وعَيشُكِ حَقيرٌ ، وخَطَرُكِ يَسيرٌ ، آه مِن قِلَّةِ الزّادِ وبُعدِ السَّفَرِ ووَحشَةِ الطَّريقِ .
فَقالَ لَهُ مُعاوِيَة : زِدني شَيئا مِن كَلامِهِ .
فَقال ضِرار : كانَ يَقولُ : أعجَبُ ما فِي الإِنسانِ قَلبُهُ . . .
فَقالَ لَهُ مُعاوِيَة : زِدني كُلَّما وَعَيتَهُ مِن كَلامِهِ .
قالَ : هَيهاتَ أَن آتِيَ عَلى جَميعِ ما سَمِعتُهُ مِنهُ ! ۲

۵۴۶.الإمام عليّ عليه السلام ـ في كِتابِهِ إلى عامِلِهِ عَلَى البَصرَةِ عُثمانَ بنِ حُنَيفٍ ـ :ألا وإنَّ لِكُلِّ مَأمومٍ إماما يَقتَدي بِهِ ، ويَستَضيءُ بِنورِ عِلمِهِ ، ألا وإنَّ إمامَكُم قَدِ اكتَفى مِن دُنياهُ بِطِمرَيهِ ۳ ، ومِن طُعمِهِ

1.السَّلِيم : اللديغ . يقال : سَلَمَتهُ الحيّة ؛ أي لدَغَته (لسان العرب : ج ۱۲ ص ۲۹۲) .

2.مروج الذهب : ج ۲ ص ۴۳۳.

3.الطِّمْر : الثوب الخَلَق (النهاية : ج ۳ ص ۱۳۸) .


جواهر الحكمة للشّباب
240

صاحِبَهُ كانَ كَذلِكَ . . . أما وَالَّذي ذَهَبَ بِنَفسِهِ ، ما أكَلَ مِنَ الدُّنيا حَراما قَليلاً ولا كَثيرا حَتّى فارَقَها ، ولا عَرَضَ لَهُ أمرانِ كِلاهُما لِلّهِ طاعَةٌ إلاّ أخَذَ بِأَشَدِّهِما عَلى بَدَنِهِ ، ولا نَزَلَت بِرَسولِ اللّه صلى الله عليه و آله شَديدَةٌ قَطُّ إلاّ وَجَّهَهُ فيها ثِقَةً بِهِ ، ولا أطاقَ أحَدٌ مِنَ هذِهِ الاُمَّةِ عَمَلَ رَسولِ اللّه صلى الله عليه و آله بَعدَهُ غَيرُهُ ، ولَقَد كانَ يَعمَلُ عَمَلَ رَجُلٍ كَأَنَّهُ يَنظُرُ إلَى الجَنَّةِ وَالنّارِ .
ولَقَد أعتَقَ ألفَ مَملوكٍ مِن صُلبِ مالِهِ ، كُلُّ ذلِكَ تَحَفّى ۱ فيهِ يَداهُ ، وتَعَرَّقَ جَبينُهُ ، التِماسَ وَجهِ اللّهِ عز و جل وَالخَلاصِ مِنَ النّارِ ، وما كان قوتُهُ إلاَّ الخَلَّ وَالزَّيتَ ، وحَلواهُ التَّمرُ إذا وَجَدَهُ ، ومَلبوسُهُ الكَرابيسُ ، فَإِذا فَضَلَ عَن ثِيابِهِ شَيءٌ دَعا بِالجَلَمِ فَجَزَّهُ . ۲

۵۴۵.مروج الذهب :دَخَلَ ضِرارُ بنُ ضَمرَة ؛ وكانَ مِن خَواصِّ عَلِيٍّ عَلى مُعاوِيَة وافِدا ، فَقالَ لَهُ : صِف لي عَلِيّا .
قالَ : أعفِني يا أميرَ المُؤمِنينَ .
قالَ مُعاوِيَةُ : لا بُدَّ مِن ذلِكَ .
فَقالَ : أمّا إذا كانَ لابُدَّ مِن ذلِكَ فَإِنَّهُ كانَ وَاللّهِ بَعيدَ المَدى ، شَديدَ القُوى ، يَقولُ فَصلاً ، ويَحكُمُ عَدلاً ، يَتَفَجَّرُ العِلمُ مِن جَوانِبِهِ ، وتَنطِقُ الحِكمَةُ مِن نَواحيهِ ، يُعجِبُهُ مِنَ الطَّعامِ ما خَشُنَ ، ومِنَ اللِّباسِ ما قَصُرَ .
وكانَ واللّهِ يُجيبُنا إذا دَعَوناهُ ، ويُعطينا إذا سَأَلناهُ ، وكُنّا وَاللّهِ ـ

1.تحفّى : بالغ، أو من الحَفا : وهو رقّة القدم (لسان العرب : ج ۱۴ ص ۱۸۶ ـ ۱۸۷) .

2.الكافي : ج ۸ ص ۱۶۳ ح ۱۷۳ .

  • نام منبع :
    جواهر الحكمة للشّباب
    سایر پدیدآورندگان :
    احمد غلامعلی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3197
صفحه از 366
پرینت  ارسال به