157
الدرّ المنظوم من كلام المعصوم

۰.يا هشام ، ما بعث اللّه أنبياءَه ورسلَه إلى عبادِه إلاّ ليعْقِلوا عن اللّه ، فأحْسَنُهم استجابةً أحْسَنُهم معرفةً ، وأعلَمُهم بأمر اللّه أحسنهم عقلاً ، وأكْمَلُهم عقلاً أرْفَعُهم درجةً في الدنيا والآخرة .
يا هشام ، إنّ للّه على الناس حُجّتينِ : حُجّةً ظاهرةً ، وحُجّةً باطنةً ، فأمّا الظاهرةُ فالرُّسُلُ والأنبياء والأئمّةُ عليهم السلام ، وأمّا الباطنةُ فالعقولُ .

قوله عليه السلام فيه : (ما بَعثَ اللّه أنبياءه ورُسُلَه إلى عباده إلاّ ليعْقِلوا عن اللّه ...) .
فيه دلالةً على أنّ معرفة الأشياء التي يؤمر بها المكلّف لا يكفي في جميعها العقل المأخوذ عن اللّه ، بل مادلّت عليه الأنبياء والرسل بمساعدة العقل واستعماله فيما يستعمل فيه ؛ فأحسنهم استجابةً وانقياداً للأنبياء والرسل أحسنُهم معرفةً للّه .
ولعلّ في ترك العقل هنا دلالة على أنّ معرفة اللّه لا ينبغي أن يكون العقل وحده محكَّماً فيها ، أو جعله غالباً على غيره والأحاديث تؤيّده ، بل ينبغي الاقتصار على ما عرف سبحانه من نفسه ووصفها به سوى ما استثنى . وسيأتي إن شاء اللّه تفصيلُ ذلك .
(وأعْلَمُهم بأمرِاللّه أحْسَنُهم عقلاً) .
لأنّ من علم أوامراللّه تعالى كانَ ذلك عن عقل ، ومراتبه تتفاوت بتفاوت العلم ۱ ، وبه يتفاوت حسن عقل الأشياء .
ويمكن أن يُراد بالأوّل الانقياد من غير العلم أو زيادته ، وبالثاني العلم أو زيادته ، ويُراد بالأمر كلّ ما يتعلّق بأمر اللّه .
ويمكن أن يُراد بالأوّل معرفة الجزئيّات ،فإنّ المناسب لها الاستجابة والانقياد والتسليم ، وبالثاني الكلّيّات أو الأعمّ ، فإنّ الإنسان إذا كانَ أحسن عقلاً ـ أي متابعة لعقله ـ كانَ عالماً ؛ فتأمّل .
(وأكمَلُهم عقلاً أرْفَعُهم درجةً في الدنيا والآخرة) .
يمكن أن يكون هذا مرتبةً فوق مرتبة الأحسن ، وهو الظاهر عن العدول عن الأحسن ، والمناسب لما قبله من أحسنهم وأعلمهم . وهذا يؤيّد كون مرتبة العلم فوق مرتبة المعرفة .
ولعلّ الأنسب على هذا أن يكون المعنى أحسن العباد استجابةً أحسنهم معرفة ، وأعلم أهل المعرفة أحسنهم عقلاً ، وأكمل أهل العقل أرفعهم درجةً ، أو أكمل الأحسن في المعرفة والعقل ، وأعلم الأحسن في المعرفة .
ويحتمل أن يكون «أكملهم عقلاً» المراد به الأحسن عقلاً ، والعدول إلى الأكمل للتنبيه على الوصف به . وهو كماترى .
ورفع الدرجة في الآخرة ظاهرٌ ، وفي الدنيا ؛ باعتبار أنّه بكمال العقل يحصل تمام المداراة وحسن المعاشرة اللَذيْن يرفع اللّه بهما درجته في الدنيا ؛ أو أنّ اللّه يرفع درجته بذلك ونحوه .
ولعلّ الأولى أن يُراد أنّ درجته عنده تعالى في الدنيا والآخرة مرفوعة ، بمعنى شأنه وقرب منزلته ، والدرجة تشعر بذلك ؛ ولا عبره بالناس . وأن يراد بالناس على الأوّل الذين هم الناس الذين تعتبر الرفعة عندهم ؛ واللّه تعالى أعلم .

1. في «د» : «العقل» .


الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
156

۰.يا هشام ، إنّ لكلّ شيء دليلاً ، ودليلُ العقل التفكّرُ ، ودليلُ التفكّرِ الصمتُ ، ولكلّ شيء مَطيّةً ، ومطيّةُ العقلِ التواضعُ ، وكفى بك جهلاً أن تركبَ ما نُهيتَ عنه .

قوله عليه السلام فيه : (إنّ لِكلِّ شيءٍ دليلاً ، ودليلُ العقلِ التفكّرُ ، ودليلُ التفكّر الصمتُ ، ولكلِّ شيءٍ مَطيّةً ، ومَطيّةُ العقلِ التواضعُ ، وكفى بك جهلاً أن تَرْكَبَ ما نُهيتَ عنه) . لا شبهة في أنّ عقل الأشياء إنّما يكون بالتفكّر ليظهر به صحيحها من فاسدها . وتعقّلُ شيء بغير إعمال الفكر والتأمّل فيه لا يحصل إلاّ اتّفاقاً نادرا ، ومثله لا يعتدّ به .
«ودليل التفكّر الصمت» لأنٍّ مع عدم الصمت لا يتمّ التفكّر على الوجه الذي يراد ، ومعه يكون دليلاً غير معتبر الدلالة ، فيكون غالباً دليلاً يوصل إلى خلاف المطلوب والمعتبر الموصل إليه لا ما يُحتمل ذلك .
«ومطيّة العقل التواضع» لأنّ به يُستعان على إعمال العقل فيما يريده ، كما يُستعان بالمطيّة على قطع المسافة ، ومع التواضع يكون العقل مستعلياً ومسلّطاً على ما يريد ، فهو كراكب المطيّة بخلافه مع عدم التواضع ، فإنّه لا يكون كذلك ، بل يكون التكبّر عالياً عليه وقاهراً له ، فلا يكون مطيّة له .
«وكفى بك جهلاً أن تركب ما نُهيتَ عنه» أي أن تجعل مركوبك ما نهيت عن ركوبه وجعله مطيّة ، فإنّه حينئذٍ كالدابّة الصعبة التي قد تهلك صاحبها وتدقّ عنقه .
ولم يعبّر هذا بالمطيّة لأنّها تشعر بالانقياد والطاعة له ؛ واللّه أعلم .

  • نام منبع :
    الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
    سایر پدیدآورندگان :
    محمّد حسين درايتي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7887
صفحه از 715
پرینت  ارسال به