۰.يا هشام ، ما بعث اللّه أنبياءَه ورسلَه إلى عبادِه إلاّ ليعْقِلوا عن اللّه ، فأحْسَنُهم استجابةً أحْسَنُهم معرفةً ، وأعلَمُهم بأمر اللّه أحسنهم عقلاً ، وأكْمَلُهم عقلاً أرْفَعُهم درجةً في الدنيا والآخرة .
يا هشام ، إنّ للّه على الناس حُجّتينِ : حُجّةً ظاهرةً ، وحُجّةً باطنةً ، فأمّا الظاهرةُ فالرُّسُلُ والأنبياء والأئمّةُ عليهم السلام ، وأمّا الباطنةُ فالعقولُ .
قوله عليه السلام فيه : (ما بَعثَ اللّه أنبياءه ورُسُلَه إلى عباده إلاّ ليعْقِلوا عن اللّه ...) .
فيه دلالةً على أنّ معرفة الأشياء التي يؤمر بها المكلّف لا يكفي في جميعها العقل المأخوذ عن اللّه ، بل مادلّت عليه الأنبياء والرسل بمساعدة العقل واستعماله فيما يستعمل فيه ؛ فأحسنهم استجابةً وانقياداً للأنبياء والرسل أحسنُهم معرفةً للّه .
ولعلّ في ترك العقل هنا دلالة على أنّ معرفة اللّه لا ينبغي أن يكون العقل وحده محكَّماً فيها ، أو جعله غالباً على غيره والأحاديث تؤيّده ، بل ينبغي الاقتصار على ما عرف سبحانه من نفسه ووصفها به سوى ما استثنى . وسيأتي إن شاء اللّه تفصيلُ ذلك .
(وأعْلَمُهم بأمرِاللّه أحْسَنُهم عقلاً) .
لأنّ من علم أوامراللّه تعالى كانَ ذلك عن عقل ، ومراتبه تتفاوت بتفاوت العلم ۱ ، وبه يتفاوت حسن عقل الأشياء .
ويمكن أن يُراد بالأوّل الانقياد من غير العلم أو زيادته ، وبالثاني العلم أو زيادته ، ويُراد بالأمر كلّ ما يتعلّق بأمر اللّه .
ويمكن أن يُراد بالأوّل معرفة الجزئيّات ،فإنّ المناسب لها الاستجابة والانقياد والتسليم ، وبالثاني الكلّيّات أو الأعمّ ، فإنّ الإنسان إذا كانَ أحسن عقلاً ـ أي متابعة لعقله ـ كانَ عالماً ؛ فتأمّل .
(وأكمَلُهم عقلاً أرْفَعُهم درجةً في الدنيا والآخرة) .
يمكن أن يكون هذا مرتبةً فوق مرتبة الأحسن ، وهو الظاهر عن العدول عن الأحسن ، والمناسب لما قبله من أحسنهم وأعلمهم . وهذا يؤيّد كون مرتبة العلم فوق مرتبة المعرفة .
ولعلّ الأنسب على هذا أن يكون المعنى أحسن العباد استجابةً أحسنهم معرفة ، وأعلم أهل المعرفة أحسنهم عقلاً ، وأكمل أهل العقل أرفعهم درجةً ، أو أكمل الأحسن في المعرفة والعقل ، وأعلم الأحسن في المعرفة .
ويحتمل أن يكون «أكملهم عقلاً» المراد به الأحسن عقلاً ، والعدول إلى الأكمل للتنبيه على الوصف به . وهو كماترى .
ورفع الدرجة في الآخرة ظاهرٌ ، وفي الدنيا ؛ باعتبار أنّه بكمال العقل يحصل تمام المداراة وحسن المعاشرة اللَذيْن يرفع اللّه بهما درجته في الدنيا ؛ أو أنّ اللّه يرفع درجته بذلك ونحوه .
ولعلّ الأولى أن يُراد أنّ درجته عنده تعالى في الدنيا والآخرة مرفوعة ، بمعنى شأنه وقرب منزلته ، والدرجة تشعر بذلك ؛ ولا عبره بالناس . وأن يراد بالناس على الأوّل الذين هم الناس الذين تعتبر الرفعة عندهم ؛ واللّه تعالى أعلم .