143
الدرّ المنظوم من كلام المعصوم

الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
142

۰.وما يصلُحُ إلاّ للعبادة ، فقال له العابد : إنّ لمكاننا هذا عيبا ، فقال له : وما هو؟ قال : ليس لربّنا بهيمةٌ ، فلو كان له حمار رَعَيْناهُ في هذا الموضع ، فإنّ هذا الحشيشَ يَضيعُ ، فقال له ذلك الملكُ : وما لربّك حمارٌ؟ فقال : لو كان له حمارٌ ما كان يَضيعُ مثل هذا الحشيشِ ، فأوحى اللّه تعالى إلى الملك : إنّما اُثيبُهُ على قَدْر عقله» .

فقوله تعالى : (إنّما اُثِيبُه على قَدْرِ عَقْلِه) معناه ـ واللّه أعلم ـ على قدر عقله لما ينبغي أن يعقله ، وهذا مقصّر في ذلك كغيره ممّن ذَمَّه اللّه تعالى على عدم العقل .
والقرآن وغيره مشحونان به ، وأكثر الآيات التي في حديث هشام الآتي من هذا القبيل .
ويحتمل قوله تعالى : «إنّما اُثيبه على قدر عقله» وقول أبي عبداللّه عليه السلام : «إنّ الثواب على قدر العقل» وجهاً آخر لا ينافي عدله تعالى أيضا ، وهو أنّ مَن أعطاه اللّه تعالى حصّةً من العقل ، كانَ ثوابُه بمقدار متابعته لتلك الحصّة ، وعقابُه بمقدار مخالفته لها ، فإذا زاد عن المتابعة التي يؤدّى إليها العقل ، كانت تلك الزيادة صادرة عن غير عقل ، فيكتب له ثواب ما تعلّق بالعقل فقط ، والزائد إمّا أن ينهاه العقل عنه ، فيرجع إلى العمل به ، فيكون مخالفاً له ، فيعاقب عليه ، وإمّا أن يفعله من غير ملاحظة دخوله تحت نهيه مع عدم معرفته لذلك أو من غير تعلّق له بما عنده من العقل ، فهذا الزائد لا ثوابَ له عليه .
ويمكن أن يكون العابد هنا من هذا القبيل ، فإنّه ليس عنده من العقل ما يدلّه على أنّ اللّه تعالى منزّه عن اتّخاذ الحمار ونحوه ، ويمكن أن يكون أكثر عبادته مشوباً بنقص من نحو هذا ، فلا يكتب له إلاّ ثواب ما أدّى إليه العقل القليل بالنسبة إلى غيره ، ولا يعاقب على غيره ؛ لعدم تكليف غير العاقل . وهذا بالنسبة إلى هذا القدر ، ونحوه غير عاقل .
وكذا قول أبي عبداللّه عليه السلام : «إنّ الثواب على قدر العقل» .
وعدم ذكر العقاب في الموضعين لأنّ المقام مقام من يستحقّ الثواب على عمله في الجملة ، ولا يستحقّ الثواب على جميع العمل ؛ واللّه تعالى أعلم .
قال والدي أنار اللّه برهانه :
قد يقال : إنّ في الأمر بصحبته ـ مع وقوع الكلام القبيح من العابد ـ نوعَ إغراء بالقبيح ، ولا يليق باللّه سبحانه .
ويمكن الجواب بأنّ الأمر بالصحبة لا يقتضي وقوع القبيح .
ويشكل بأنّه تعالى يعلم وقوع القبيح من العابد ، فلا يخرج عن الإغراء .
ويمكن الجواب بعدم قبح ما صَدَرَ من العابد نظراً إلى قلّة عقله ، وعدم التصريح بالقبيح كما يقتضيه لفظ «لو» وفيه نوعُ تأمّلٍ . ولعلّ الأولى أن يقال : إنّ مقام رفع إنكار المَلَكِ يحسّن ما هو غير لائق في الجملة ، ويرجع الأمر إلى أنّ حُسن هذا أظهر من القبح الحاصل من كلام العابد في الجملة . وله نظائر في الآيات القرآنيّة والأخبار ؛ فليتأمّل .
انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه .
وهذا الكلام مع ما فيه من الفوائد دالٌّ ـ كماترى ـ على حمله على الوجه الثاني ، وهو أصل العقل ، لا ما يترتّب عليه .

  • نام منبع :
    الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
    سایر پدیدآورندگان :
    محمّد حسين درايتي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7980
صفحه از 715
پرینت  ارسال به