139
الدرّ المنظوم من كلام المعصوم

۵.وعنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن فضّال ، عن الحسن بن الجَهْم ، قال :قلت لأبي الحسن عليه السلام : إنّ عندنا قوما لهم محبّةٌ ، وليستْ لهم تلك العزيمةُ يقولون بهذا القول ، فقال عليه السلام : «ليس اُولئك ممّن عاتَبَ اللّه تعالى، إنّما قال اللّه : « فَاعْتَبِرُواْ يَـااُوْلِى الْأَبْصَـارِ» ».

قوله عليه السلام في حديث الحسن بن الجَهْم : (إنّ عندَنا قوماً لهم مَحبّةٌ ، ولَيسَتْ لهم تلك العَزيمةُ يَقولونَ بهذا القولِ ، فقال : ليس أُولئك ممّن عاتَبَ اللّه ُ ، إنّما قال اللّه : «فَاعْتَبِرُواْ يَـاأُوْلِى الْأَبْصَـارِ» ) ۱ .
يحتمل ـ واللّه أعلم ـ أن يكون المعنى : أنّ هؤلاء المذكورين لهم إليكم محبّة عظيمة ، أو نوع من المحبّة ، وهم يقولون بقولكم ، وليس لهم تلك العقول الراجحة ، أو ذلك الثبات والرسوخ بحيث يأتمرون بكلّ ما ينبغي ، وينتهون كذلك ، ويعملون بما يعمل غيرهم ممّن عقولهم أرجح من عقولهم . فأجاب عليه السلام بأنّهم ليسوا ممّن عاتبهم اللّه وأمَرَهم بالاعتبار ؛ لضعف عقولهم ، وأنّ المأمور به هم ذوو العقول الراجحة ، فإمّا أن يعتبروا ، أولا ؛ ولكلٍّ حكمه .
وظاهر الحديث أنّ هؤلاء يكفيهم ماهم عليه مع ما تَسَعُه عقولهم من التكليف ، أو أنّهم راجعون إلى مشيّة اللّه ، إن حُمل على معنى آخر يُناسب الرجوع إلى المشيّة.
وفيه دلالة على خلاف ما يقوله مَن أوجب الاجتهاد عينا على الأوّل ؛ واللّه أعلم . ويأتى في أواخر كتاب العقل حديث لابن الجهم بهذا المعنى ، وفيه : «وليس لهم تلك العقول» ۲ .

1. الحشر (۵۹) : ۲ .

2. الكافي ، ج ۱ ، ص ۲۷ ، كتاب العقل والجهل ، ح ۳۲ .


الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
138

۴.محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن فضّال ، عن الحسن بن الجهم ، قال : سمعتُ الرضا عليه السلام يقول : «صديقُ كلّ امرئٍ عقلُه ، وعدوُّه جهلُه» .

قوله عليه السلام في حديث الحسن بن الجهم : (صَديقُ كُلِّ امْرِى ءٍ عَقْلُهُ ، وعَدُوُّهُ جَهْلُهُ) .
لا شبهة في أنّ العقل يدلّ صاحبه على ما فيه صلاحه ، فهو ظاهر الصداقة ؛ والجهل بخلافه ، فهو ظاهر العداوة .
قال والدي طاب ثراه :
لا يخفى أنّ في الخبر احتمالين :
أحدهما : أنّ في كلّ إنسان عقلاً وجهلاً ؛ لذكر كلّ في الأمرين .
والثاني : أن يكون الناس على قسمين : عاقل وجاهل ، فالعقل صديق لكلّ إنسان ، والجهل عدوّ لكلّ إنسان على أن يؤخذ كلّ واحد من حيث هو ؛ فليتأمّل .
انتهى كلامه ، أعلى اللّه مقامه .
أقول : الظاهر أنّ المراد من الحديث على الاحتمال الأوّل أنّ كلّ إنسان يكون له عقل وجهل يمكن أن يتّصف بهما ليخرج غير المتّصف بشيء منهما ؛ على أنّ المراد بالعقل الغريزة ، وبالجهل ما قابله ، وكلُّ إنسانٍ ممّن ذُكر هذا حكمُه . فلا يرد ما يمكن أن يقال : إنّه قد يوجد عاقل من غير جهل وعكسُه ، بل قد يوجد الخالي منهما ، فإنّ هذا يترتّب على إرادة الأثر الحاصل من العقل والجهل ؛ وما يمكن أن يقال : إنّ «كلاًّ» وإن كان لاستغراق الأفراد ، إلاّ أنّه لا يلزم من العبارة أن يكون لكلّ فردٍ عقل وجهل ، غايتها أنّها تفيد صداقة العقل المضاف إلى كلّ واحد ، وعداوة الجهل كذلك ، وهو لا يستلزم وجودهما في كلّ فرد ؛ فإنّ قولنا مثلاً : «صديقك كلّ من نصحك ، وعدوّك كلّ من غشّك» لا يلزم منه وجود الناصح والغاشّ ؛ فتأمّل .
والاحتمال الثاني الذي ذكره والدي ـ رحمه اللّه ـ لا يخلو من خفاء .
بقي احتمال آخر ، وهو أن يكون المعنى : صديق كلّ امرئ ذي عقل عقلُه ، وعدوّ كلّ امرئ ذي جهل جهلُه . والمقدّر يفهم من الإضافة .
وهذا الاحتمال ينطبق على كلّ من العقل والجهل وما يترتّب عليهما ، مع إخراج غير المتّصف بهما أو بأحدهما ؛ واللّه أعلم .

  • نام منبع :
    الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
    سایر پدیدآورندگان :
    محمّد حسين درايتي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7985
صفحه از 715
پرینت  ارسال به