133
الحوار بین الحضارات فی الکتاب والسنة

قُلتُ: لِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ جَرى فيهِ أثَرُ تَركيبٍ لِجِسمٍ، أو وَقَعَ عَلَيهِ بَصَرٌ لِلَونٍ، فَما أدرَكَتهُ الأَبصارُ ونالَتهُ الحَواسُّ فَهُوَ غَيرُ اللّه‏ِ سُبحانَهُ، لِأَ نَّهُ لايُشبِهُ الخَلقَ، وأنَّ هذَا الخَلقَ يَنتَقِلُ بِتَغييرٍ وزَوالٍ، وكُلُّ شَيءٍ أشبَهَ التَّغييرَ وَالزَّوالَ فَهُوَ مِثلُهُ، ولَيسَ المَخلوقُ كَالخالِقِ ولاَ المُحدَثُ كَالمُحدِثِ....
قالَ: إنَّ هذا لَقَولٌ، ولكِنّي لَمُنكِرٌ ما لَم تُدرِكهُ حَواسّي فَتُؤَدِّيَهُ إلى قَلبي، فَلَمَّا اعتَصَمَ بِهذِهِ المَقالَةِ ولَزِمَ هذِهِ الحُجَّةَ قُلتُ: أمّا إذ أبيتَ إلاّ أن تَعتَصِمَ بِالجَهالَةِ، وتَجعَل المُحاجَزَةَ حُجَّةً فَقَد دَخَلتَ في مِثلِ ما عِبتَ وَامتَثَلتَ ما كَرِهتَ، حَيثُ قُلتَ: إنِّي اختَرتُ الدَّعوى لِنَفسي، لِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ لَم تُدرِكهُ حَواسّي عِندي بِلا شَيءٍ.
قالَ: وكَيفَ ذلِكَ ؟ قُلتُ: لِأَنَّكَ نَقَمتَ عَلَى الاِدِّعاءِ ودَخَلتَ فيهِ فَادَّعَيتَ أمرا لَم تُحِط بِهِ خُبرا ولَم تَقُلهُ عِلما، فَكَيفَ استَجَزتَ لِنَفسِكَ الدَّعوى في إنكارِكَ اللّه‏َ، ودَفعِكَ أعلامَ النُّبُوَّةِ وَالحُجَّةَ الواضِحَةَ وعِبتَها عَلَيَّ ؟
أخبِرني هَل أحَطتَ بِالجِهاتِ كُلِّها وبَلَغتَ مُنتَهاها ؟
قالَ: لا.
قُلتُ: فَهَل رَقيتَ إلَى السَّماءِ الَّتي تَرى ؟ أوِ انحَدَرتَ إلَى الأَرضِ السُّفلى فَجُلتَ في أقطارِها ؟ أو هَل خُضتَ في غَمَراتِ البُحورِ وَاختَرَقتَ نَواحِيَ الهَواءِ فيما فَوقَ السَّماءِ وتَحتَها إلَى الأَرضِ وما


الحوار بین الحضارات فی الکتاب والسنة
132

قالَ: فَأَنّى يَكونُ ما تَقولُ وأنتَ تَعرِفُ أنَّ القَلبَ لايَعرِفُ شَيئا بِغَيرِ الحَواسِّ الخَمسِ ؟ فَهَل عايَنتَ رَبَّكَ بِبَصَرٍ، أو سَمِعتَ صَوتَهُ بِاُذُنٍ، أو شَمَمتَهُ بِنَسيمٍ، أو ذُقتَهُ بِفَمٍ، أو مَسَستَهُ بِيَدٍ، فَأَدّى ذلِكَ المَعرِفَةَ إلى قَلبِكَ ؟
قُلتُ: أرَأَيتَ إذ أنكَرتَ اللّه‏َ وجَحَدتَهُ ـ لِأَنَّكَ زَعَمتَ أنَّكَ لا تُحِسُّهُ بِحَواسِّكَ الَّتي تَعرِفُ بِهَا الأَشياءَ ـ وأقرَرتُ أنَا بِهِ هَل بُدٌّ مِن أن يَكون أحَدُنا صادِقا والآخَرُ كاذِبا ؟ قالَ: لا.
قُلتُ: أرَأَيتَ إن كانَ القَولُ قَولَكَ فَهَل يُخافُ عَلَيَّ شَيءٌ مِمّا اُخَوِّفُكَ بِهِ مِن عِقابِ اللّه‏ِ ؟ قالَ: لا.
قُلتُ: أفَرَأيتَ إن كانَ كَما أقولُ والحَقُّ في يَدي ألَستُ قَد أخَذتُ فيما كُنتُ اُحاذِرُ مِن عِقابِ الخالِقِ بِالثِّقَةِ وأنَّكَ قَد وَقَعتَ بِجُحودِكَ وإنكارِكَ فِي الهَلَكَةِ ؟ قالَ: بَلى.
قُلتُ: فَأَيُّنا أولى بِالحَزمِ وأقرَبُ مِنَ النَّجاةِ ؟ قالَ: أنتَ، إلاّ أنَّكَ مِن أمرِكَ عَلَى ادِّعاءٍ وشُبهَةٍ، وأنا عَلى يَقينٍ وثِقَةٍ، لِأَنّي لا أرى حَواسِّيَ الخَمسَ أدرَكَتهُ، وما لَم تُدرِكهُ حَواسّي فَلَيسَ عِندي بِمَوجودٍ.
قُلتُ: إنَّهُ لَمّا عَجَزَت حَواسُّكَ عَن إدراكِ اللّه‏ِ أنكَرتَهُ، وأنَا لَمّا عَجَزَت حَواسّي عَن إدراكِ اللّه‏ِ تَعالى صَدَّقتُ بِهِ.
قالَ: وكَيفَ ذلِكَ ؟

  • نام منبع :
    الحوار بین الحضارات فی الکتاب والسنة
    سایر پدیدآورندگان :
    محمّد محمّدی ری شهری، با همکاری: رضا برنجکار
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1394
    نوبت چاپ :
    قم
تعداد بازدید : 12265
صفحه از 216
پرینت  ارسال به