437
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)

و الحاصل : أنّ الإجماع منعقد ، بل النصّ ، على أنّه يكفي في الشهادة على العدالة ، بعد العلم بالملكة أو حسن الظاهر ـ على الخلاف في معناها ـ عدمُ العلم بصدور الكبيرة عنه ، و لايعتبر علمه أو ظنّه بأنّه لم يصدر عنه كبيرة إلى زمان أداء الشهادة ؛ و على هذا ، فأحد جزءي الشهادة ـ و هو تحقّق ذلك الأمر العدميّ ـ ثابت بالطريق الظاهري ، و هو مستند شهادته .
و من المعلوم أنّ شهادة الجارح حاكمة على هذا الطريق الظاهري ؛ فإنّ تعارضهما إنّما هو باعتبار تحقّق هذا الأمر و عدمِ تحقّقه ، و إلاّ فلعلّ الجارح أيضا لاينكر الملكة ، بل يعترف بها في متن الشهادة .
فالمقام على ما اخترناه ـ من أخذ الاجتناب عن الكبيرة قيدا للملكة ـ نظير شهادة إحدى البيّنتين على أنّه مِلْكه قد اشتراه من المدّعى ؛ تعويلاً على أصابة صحّة الشراء ، و شهادةِ البيّنة الأُخرى [على] أنّه ملك للآخر ؛ مستندا إلى فساد ذلك الشراء ؛ لوجود مانع من موانع الصحّة .
و القول بكونه ۱ مزيلاً للعدالة بالدليل الخارجي ، يكون ۲ نظيرَ شهادة إحداهما بملكه لأحدهما ، و شهادةِ الأُخرى بانتقاله عنه إلى الآخر ، فالمعدِّل يقول : إنّه ذو ملكة لم أطّلع على صدور كبيرة منه ، و الجارح يقول : قد اطّلعت على صدور المعصية الفلانيّة ، فشهادة المعدِّل مركّبة من أمر وجوديّ و عدميّ ، و شهادة الجارح تدلّ على انتفاء ذلك الأمر العدميّ ، فالتعارض إنّما هو في الجزء الأخير و من المعلوم كونهما من قبيل النافي و المثبت .
نعم ، لو اعتبرنا في التعديل الظنَّ بعدم صدور الكبيرة ، كان التعارض على وجه لايمكن الجمع ، فلابدّ إمّا من ترجيح الجارح ؛ لاستناده إلى القطع الحسّيّ ، بخلاف المعدِّل ؛ فإنّه مستند إلى الظنّ الحدسي ، و إمّا من التوقّف عن الحكم بالعدالة و الفسق و الرجوعِ إلى الأصل .

1.الضمير راجع إلى ارتكاب الكبيرة .

2.أي يكون المقام .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)
436

الراويَ مرتكبا للمعاصي ؛ و أنت تعلم أنّ عدم الوجدان لايدلّ على عدم الوجود.
و قد يُزعَم أن ليس لهذا الكلام مساغ إلاّ متى فسّرت العدالة بظاهر الإسلام أو حسن الظاهر ، كما هو الظاهر ؛ و أمّا إذا فسّرت بالملكة ـ كما هو الأشهر بين متأخّري الأصحاب ـ فحينئذٍ ترجيح الجرح محلّ تأمّل ؛ فإنّ المعدِّل أيضا يخبر عن اتّصاف الراوي بتلك الملكة في نفس الأمر ، لا محضِ عدم وجدانه مرتكبا للكبائر غيرَ مصرّ على الصغائر .
و من هنا قال علاّمة الجواهر ـ قدّس سرّه ـ ما لفظه :
و أيضا قد اشتهر بينهم تقديم الجرح على التعديل ؛ لعدم حصول التعارض ؛ لكون المعدِّل لايعلم و الجارح عالم ، و من لايعلم ليس حجّة على من علم ، و لو كان عن باب الملكة ، لكان من باب التعارض ؛ لأنّ المعدِّل يخبر عن الملكة ، و الآخَرَ يخبر عن عدمها ، بل عن ملكة الفسق .
اللّهمّ إلاّ أن يقال : إنّ أهل الملكة ينفون الحكم ـ بمقتضاها ـ بمجرّد وقوع الكبيرة مثلاً و إن لم تذهب الملكة ، فلايكون تعارض بينهما ؛ إذ قد يكون الجارح اطّلع على فعل كبيرة و لاينافي ذلك إخبار العدل بحصول الملكة .
نعم ، لو كان الجرح بما يرفع الملكة اتّجه التعارض ؛ فتأمّل جيّدا ۱ .
هذا ، و يمكن أن يناقش ۲ فيه : بأنّ عدم الكبيرة مأخوذ في العدالة إجماعا ، على ما تقدّم ، إمّا لكونه قيدا للملكة على ما اخترناه ، و إمّا لأخذه في العدالة بدليل الإجماع و النصّ ، كيف؟ و لو لم يكن مأخوذا ، لم يكن الجارح معارضا له أصلاً .
و كيفما كان ، فاعتماد المعدِّل على هذا الأمر العدميّ المأخوذ في تحقّق العدالة ليس إلاّ على أصالة العدم أو أصالة الصحّة أو قيام الإجماع ، على أنّ العلم بالملكة المجرّدة طريق ظاهري للحكم بتحقّق ذلك الأمر العدميّ .

1.جواهر الكلام ۱۳ : ۲۹۷ .

2.المناقش شيخنا الأنصاري رحمه الله . منه

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1383
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 11928
صفحه از 640
پرینت  ارسال به