307
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)

بالعدالة، وهو معتبرٌ عند الكلّ ـ حذرا من المحذورَيْن .
نعم، مَن اصطلح اصطلاحا مخصوصا لايرد عليه ذلك، وليس ذلك حاصلاً للغالب، بل لأحدٍ، فإنّ اطّلاعنا على مذهب الشيخ ـ مثلاً ـ لايقتضي اصطلاحه، وهو أيضا لم يكن عالما بأنّ مَن سيأتي من الناظرين إلى (رجاله) مثلاً سيكونون عالمين باصطلاحه الذي لم يبيّنه في رجاله .
فبملاحظة ما ذُكر يحصل الظنّ بالعدالة لا محالة، وهو كافٍ .
وكونه إماميّا يحصل بما يفيد كونه إماميّا، إمّا بالتنصيص والتصريح، أو بالظهور على النحو المذكور .
أمّا كونه ضابطا ـ مع أنّه من شرائط الصحّة ـ [ فـ] إمّا أن يظهر ذلك الشرط من الغلبة ، فإنّ الغالب من عدول الرواة هو الضابط، فيُحمل عليه؛ لأنّ الظنّ يُلحق الشيءَ بالأعمّ الأغلب .
أو من أنّ الضابط هو الفرد الكامل الذي ينصرف إليه الإطلاق .
أو من جهة عدم تأمّل أحدٍ من العلماء من هذه الجهة، الكاشف عن كون مثل هذا اللفظ في الاصطلاح عبارةً عن العدل الضابط .
واعلم أنّ ما يدلّ على القسم الأوّل ـ أي على حُسن الراوي مطابقةً، و على [ حُسن] الرواية بالالتزام؛ مع كون مدلوله مدحا بالغا إلى حدّ الوثاقة، مستفادا [ معه ]صحّة العقيدة المنصوصة ـ له ألفاظٌ كثيرة :
منها: قولهم: «فلانٌ عدل إماميّ» أو «عدلٌ من أصحابنا الإماميّة» أو نحوهما من الألفاظ ـ كما مرّت إليه الإشارة ـ .
والعبارة إن انضمّ إليها لفظ «ضابط» فهو أحسن بالضرورة، وإلاّ فيحمل عليه، لِما ذكرنا من الغلبة المسلَّمة هنا بالبديهة .
[ و] منها: قولهم: «ثقة ثقة» بتكرير اللفظ تأكيدا، وربّما أنّ الثاني بالنون. ۱

1.كما حكي ذلك عن ابن دُرَيْدٍ، واُنظر: مقباس الهداية : ۶۹ ـ الطبعة الحجريّة .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)
306

وكلّ واحدٍ من الأقسام على قسمين :
الأوّل: ما يجامع صحّةَ العقيدة، مع التنصيص أو بدونه، كقولهم: «عدلٌ إماميٌّ» أو «ثقة» من غير التنصيص بالإماميّة .
والثاني: ما يفارق صحّةَ العقيدة؛ بالتنصيص على العدم، كقولهم: «ثقة فَطَحِيٌّ» .
وتظهر ثمرة الأقسام في صورة التعارض والترجيح، فإنّ الصحيح بالظنّ الاجتهاديّ الحاصل من القسم الأوّل من القسم الثاني من الألفاظ ؛ مقدَّمٌ على الصحيح بالظنّ الحاصل من القسم الثاني منه، فيقال: إنّه أقوى سندا، وهكذا .
فما يدلّ على حُسن الراوي ـ بالمطابقة ـ والرواية ـ بالالتزام ـ ويكون مدلوله حسنا بالغا إلى حدّ الوثاقة ، مع صحّة العقيدة المنصوصة؛ ألفاظٌ :
منها: قوله: «عدل إماميّ» أو «عدلٌ من أصحابنا الإماميّة» أو نحو ذلك، وإن اقترن بلفظ «ضابط» [ فهو أَوْلى] وإلاّ فيُحمل عليه، للغلبة .
فإن قلت: قد وقع الاختلاف في العدالة بأنّها الملكة أو حُسن الظاهر، أو ظهور الإسلام وعدم ظهور الفسق، وكذا في أسباب الجَرْح وعدد الكبائر، فمع عدم الاطّلاع على رأي المعدِّل لاينفع التعديل بذلك اللفظ .
قلت: مع أنّ هذا الإيراد لايتمّ عند توافق رأي المعدِّل مع رأي الناظر، أو كون رأي المعدِّل في مرتبةٍ عُليا، وإرادة الأخير بعيدة كما لايخفى .
والأوّلان كافيان لمن يقول بكونها حُسن الظاهر ـ كما هو الحقّ المشهور ـ مضافا إلى أنّ ما وضع له قولهم: «فلانٌ عدل» هو الإخبار العلميّ بالعدالة، وغرضهم من هذا القول انتفاع كلّ الناس سيّما مَن بعدهم به، فإنّ الغالب عدم اعتناء المعاصرين بعضهم بكتب بعض، وهم كانوا عالمين بالاختلاف، فلو كان مرادهم من العدالة المطلقة ما هو المعتبر عند القائل دون الكلّ ؛ من غير بيانٍ من الحال أو المقال لزم التدليس والإضلال، وكلاهما ـ مع العدالة ـ بعيدٌ، بل محال .
فلابُدّ من حمل المطلق على ما هو المعتبر عند الكلّ ـ بمعنى حصول العلم

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الثاني)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1383
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 12257
صفحه از 640
پرینت  ارسال به