475
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

أَصْل [ ۳ ]: في معرفة الاعتبار بالمُتابَعات والشَواهِد

وهو عبارةٌ عن النَظَر في الحديث :
هلْ تَفَرَّدَ به راويْهِ أمْ لا؟ وهو «اعتبار المُتابَعة» .
وهلْ جاء في الأحاديث ما يُوافِقُه معنىً أمْ لا؟ وهو «اعتبار الشاهِد» .
وهو نوعٌ من أنواع التراجيح ، لم يبحث عنه الأُصوليّون ، وجرتْ عادةُ أصحاب الحديث بالبحث عنه ، وهو أمرٌ مهمٌّ يَتَعَرَّفُ به الفُقهاءُ والمُحدِّثُون أحوالَ الحديث ، ويكثرُ بحثهم عنه واعتناؤُهم به .
مثال الأوّل : أنْ يرويَ عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الرحمان بن أبي نَجْران ، عن عاصم بن حُمَيْد ، عن محمّد بن قيس ـ حديثا عن أبي جعفر عليه السلام .
فيعتبرُ الناظِرُ : هلْ روى هذا الحديثَ ثِقةٌ آخَرُ غيرُ عليٍّ عن أبيه؟ فإنْ لم يُوجَدْ ، فثِقةٌ غيرُ أبيه عن عبد الرحمان؟ فإنْ لم يُوجَد ، فثِقةٌ غيرُ عبد الرحمان عن عاصم؟ فإنْ لم يُوجَد ، فثِقةٌ غيرُ عاصم عن محمّد بن قيس؟ فإنْ لمن يُوجَد ، فثِقةٌ غيرُ محمّد عن أبي جعفر عليه السلام؟
فأيُّ ذلك وُجِدَ كان مُتابَعةً ، وازدادَ الحديثُ به قُوَّةً واعتبارا ؛ لأنّ ذلك يُثيرُ الظنَّ أنّ له أصلاً يرجعُ إليه .
والمُتابَعةُ التامّةُ : أنْ يرويَه غيرُ عليٍّ عن أبيه ، وغيرُ أبيه عن عبد الرحمان ، وهكذا إلى آخر السند .
وإذا رواه غيرُ أبيه ، أو غيرُ عبد الرحمان ، أو غيرُ عاصم ، أو غيرُ محمّد ، سُمّيَ كلُّ واحدٍ من هذه الكيفيّات «مُتابعةً ناقصةً» تقصُرُ عن الأُولى بِقَدر بُعْدِها عنها .
وقد يُطلق على المُتابَعة ـ تامّةً كانتْ أو ناقصةً ـ اسمُ الشاهِد أيضا .
ومثالُ الشاهد : أنْ يرويَ غيرُ هؤلاء حديثا آخَرَ عن أبي جعفر أو غيره من


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
474

ـ قال : ـ قلتُ : فإنّهما عدلانِ مرضيّانِ عند أصحابنا ، لا يَفْضُلُ واحدٌ منهما على صاحبه؟
ـ قال : ـ فقال : «يُنْظَرُ إلى ما كان من رواياتهم عنّا في ذلك الذي حَكَما به ؛ المُجْمَعَ عليه من أصحابك ، فيُؤْخَذُ به من حُكْمِنا ، ويُتْرَكُ الشاذُّ الذي ليس بمَشْهُور عندَ أصحابك ، فإنّ المُجْمَعَ عليه لا رَيْبَ فيه ، وإنّما الأُمور ثلاثةٌ : أمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ ، وأمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فيُجْتَنَبُ ، وأمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إلى اللّه وإلى رسوله ، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : حلالٌ بَيِّنٌ ، وحَرامٌ بَيِّنٌ ، وشُبُهاتٌ بينَ ذلك ، فمَنْ تَرَكَ الشُبُهاتِ نَجا من الحُرُمات ، ومَنْ أَخَذَ بالشُبُهات ارْتَكَبَ الحُرُمات ، وهَلَكَ من حيثُ لا يعلم» .
قلتُ : فإنْ كان الخَبَران عنكما مَشْهُورَين ؛ قد رواهما الثِقاتُ عنكم؟
قال : «يُنْظَرُ ، فما وافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الكتاب والسُنّة وخالَفَ العامّة فيُؤْخَذُ به ، ويُتْرَكُ ما خالَفَ حُكمُه حُكْمَ الكتاب والسُنّة ووافَقَ العامّة».
قلتُ : جعلتُ فداك ، أرأيتَ إنْ كان الفقيهان عَرَفا حُكمَه من الكتاب والسُنّة ، ووَجَدْنا أَحَدَ الخَبَرَيْنِ مُوافِقا للعامّة والآخَرَ مُخالِفا لهم ، بأيّ الخبرين يُؤْخَذُ؟
قال : «ما خالَفَ العامّة ففيه الرَشادُ» .
فقلتُ : جعلتُ فداك ، فإنْ وافَقَهما الخَبَرانِ جميعا؟
قال : «يُنْظَرُ إلى ما هُم إليه أمْيَلُ حُكّامُهم وقُضاتُهم ، فيُترَك ويُؤْخَذُ بالآخَر» .
قلتُ : فإنْ وافَقَ حُكّامُهم الخبرينِ جميعا؟
قال : «إذا كانَ ذلك فأرْجِئْهُ حتّى تلقى إمامَك ؛ فإنّ الوُقُوفَ عندَ الشُبُهاتِ خَيْرٌ من الاقْتِحام في الهَلَكات» ۱ .
فهذا الحديثُ وأمثالُه تضمّنَ وجوبَ الترجيح في المُفتي والحديثِ ، ووجوبَ العمل بالراجح ، كما لا يخفى .

1.الكافي ۱ : ۶۷ ـ ۶۸ ، كتاب فضل العلم ، باب اختلاف الحديث ، ح ۱۰ .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9463
صفحه از 616
پرینت  ارسال به