471
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

«أَرْجِئْهُ» فيكونُ وُرُودُهما على سبيل الأولويّة والأحوطيّة .
أو يكونُ ذلك وما وَرَدَ فيه الأمْرُ بالتوقّف محمولاً على المُبالغة والتأكيد في التَثَبُّت ، وكَثْرة الفحص عن المُرَجِّحات .
أو يكون الأمْرُ بالتوقُّف عند الاشتباه محمولاً على مَنْ ليس له دَرَجَة الاستنباط والاستدلال ، أو على مَنْ يُمكنه الترجيحُ ولم يبحثْ فيه ، أو نحو ذلك .
واعلم أنّ التضادَّ لا يجوزُ أنْ يَقَعَ في خبرين مُتواترين قطعا ؛ لامتناع اجتماع النقيضين ، كما لا يقعُ بين دليلين قطعيّين ، ولا يكون بين مُتواترٍ وآحادٍ ؛ لوجوب العمل بالمُتواتر .
القسم الثاني : أن يمكن الجمع بوجهٍ ؛ إمّا بأنْ يعملَ بأحدهما على الإطلاق ، وبالآخَرِ على وجهٍ دُوْنَ وجهٍ ، أو بأنْ يعملَ بكلٍّ منهما من وجهٍ دونَ آخَر ، وذلك كما جاء في قوله عليه السلام : «أَلا أُنَبِّئُكُم بخير الشُهود؟» قيلَ : نعم ، يارسول اللّه . قال : «أنْ يَشْهَدَ الرجلُ قبلَ أنْ يُسْتَشْهَدَ» ۱
.
وقوله عليه السلام : «يَفْشُو الكذبُ حتّى يَشْهَدَ الرجلُ قبلَ أنْ يُسْتَشْهَدَ» ۲ .
فيعملُ بالأوّل في حُقوقه تعالى ، وفي الثاني في حُقوق العِباد ، فإذا أمكنَ مثلُ ذلك لم يَجُزْ طرحُ أحدهما مع صحّته .
وكذا إذا كان لأحدهما وجهٌ من التأويل وَجَبَ تأويلُه والعملُ بالآخَرِ ، سيّما إذا عَضَدَ التأويلَ دليلٌ أو حديثٌ آخَر .
وإنّما يكمُلُ للجمع العُلماء الجامِعُون بينَ الحديث والفقه والأُصول ، الأذكياء الغوّاصون على المعاني .
وأحسنُ ما صُنِّفَ عندنا فيه كتابُ الاستبصار ؛ فإنّه لم يَشُذَّ عنه إلاّ القليلُ ، ومَنْ تبصّرَ في مُطالعته لم يَكَدْ يخفى عنه وَجْهُ الجمع بين حديثين ، وإن كان الشيخ رحمه اللهأتى

1.سنن ابن ماجة ۲ : ۷۹۲ ، ح ۲۳۶۴ ، وفيه «خير الشهود من أدّى شهادته قبل أن يسألها» .

2.سنن ابن ماجة ۲ : ۷۹۱ ، ح ۲۳۶۳ ؛ سنن الترمذي ۴ : ۴۶۵ ، ۵۴۹ .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
470

أصل [ ۲ ]: [معرفة مختلف الحديث وطرق الجمع أو الترجيح]

ومن أعظم المهمّات عند الفقهاء والمحدّثين من كلّ الطوائف : معرفة مختلَف الحديث ، ومعرفة ما يَتَرَتَّبُ على الاختلاف ، وإذا وردتْ مختلفةً في الحكم فلا تَخْرُج عن أقسامٍ ثلاثة :
الأوّل : أن يقعَ التعادُلُ والتضادُّ فيها من كلّ وجهٍ ، وهو قليلُ الوقوع ، حتّى مَنَعَ من وقوعه بعضُ المخالفين . وليس بشيءٍ .
وحكمه عندنا وعند أكثر العامّة : التخيير . وقال بعض الفقهاء : يتساقطان ويُرجع إلى مقتضى العقل . والصحيح الأوّل .
وقد جاء في بعض أحاديثنا عن الصادق عليه السلامأنّه قال : «بأيِّهما أَخَذْتَ من باب التسليم ؛ وَسِعَكَ» ۱ .
إلاّ أنّا رُوّيْنا عن محمّد بن يعقوب رحمه الله ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عثمان بن عيسى ، والحسن بن محبوب جميعا عن سماعة ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : سألتُه عن رجلٍ اختلفَ عليه رجلان من أهل دينه في أَمْرٍ كلاهما يَرْوِيْهِ ؛ أحدُهما يأمُرُهُ بأخْذِهِ ، والآخَرُ ينهاهُ عنه ، كيفَ يصنَعُ؟ قال : «يُرْجِئهُ حتّى يَلقى مَنْ يُخْبِرُهُ ، وهو في سَعَةٍ حتّى يلقاهُ» ۲ . وسيأتي نحو هذا في حديث عُمَر بن حَنْظلة .
وقد استفاضَ النقلُ عن النبيّ والأئمّة عليهم السلامبالأمر بالتوقّف عند الاشتباه ۳ ، وهذا منه ، ولكنّ عملَ أصحابنا وجماهير العلماء على الأوّل ؛ وهو التخيير .
ولعلّ هذين الحديثين ونحوهما محمولٌ على ما لا يضْطَرُّ إليه الإنسانُ ؛ بدليل :

1.الكافي ۱ : ۶۶ ، كتاب فضل العلم ، باب اختلاف الحديث ، ذيل ح ۷ .

2.الكافي ۱ : ۶۶ ، كتاب فضل العلم ، باب اختلاف الحديث ، ح ۷ .

3.الكافي ۱ : ۵۰ ، باب النوادر من كتاب فضل العلم ، ح ۹ ؛ تهذيب الأحكام ۷ : ۴۷۴ / ۱۹۰۴ .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9054
صفحه از 616
پرینت  ارسال به