259
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

يحكيه من ذلك ، والظاهر أنّه إلى هذا اسْتَرْوَح كثيرٌ من المصنّفين في ما نقلوه من ذلك ، واللّه أعلم .
(و في جواز العمل بالوِجادة) الموثوق بها (قولان) للمحدّثين والأُصوليّين :
فنُقل عن الشافعي وجماعةٍ من نُظّار أصحابه : جوازُ العمل بها ، ووجّهوه : بأنّه لو توقّف العملُ فيها على الرواية لانسدّ بابُ العمل بالمنقول ؛ لتعذُّر شرط الرواية فيها ۱ .
و حجّةُ المانع واضحهٌ ؛ حيثُ لم يحدّث به لفظا ولا معنىً .
(و لا خلاف) بينَهم (في منع الرواية) بها ؛ لما ذكرناه من عدم الإخبار .
(ولو اقترنت) الوِجادةُ (بالإجازة) بأنْ كان الموجودُ خطُّه حيّا وأجازه ، أو أجازه غيرهُ عنه ولو بوسائطَ ، (فلا إشكال) في جواز الرواية والعمل حيث يجوزُ العمل بالإجازة .

الفصل (الثالثُ في كيفيّة رواية الحديث)

اعلم أنّ العلماء بهذا الشأن قد اختلفوا في ما تجوز به روايةُ الحديث ، فأفرط قومٌ فيه ، وفرّط آخرون . وقد تقدّمَ في باب الوِجادة والإعلام والوصيّة النقلُ عمّن فرّط واجتزأ بروايته بمثل ذلك .
و أمّا من أفرط وشدّد ؛ فمنهم مَنْ قال : لا حجّة إلاّ في ما رواه الراوي من حفظه وتَذَكُّرِه . وهذا المذهبُ مرويّ عن مالك وأبي حنيفة وبعضِ الشافعيّة ۲ .
و منهم مَنْ أجاز الاعتمادَ على الكتاب بشرط بقائه في يده ۳ ، فلو أخرجه عنها ولو بإعارةِ ثقةٍ لم تجز الروايةُ منه ؛ لغيبته عنه المجوّزة للتغيير ، وهو دليلُ مَنْ يمنع الاعتمادَ على الكتاب .
و الحقّ المذهبُ الوسَطُ ؛ وهو جواز الرواية بها .

1.حكاه عنهم في مقدّمة ابن الصلاح : ۱۱۸ ـ ۱۱۹ ؛ وفي فتح المغيث للسخاوي ۳ : ۲۷ .

2.حكاه عنهم ابن الصلاح في مقدّمته : ۱۳۳ . وفي فتح المغيث ۳ : ۱۲۵ .

3.حكاه قولاً في مقدّمة ابن الصلاح : ۱۳۳ .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
258

عن فلان ...» إلخ .
هذا الذي استقرّ عليه العملُ قديما وحديثا .
(و هو منقطعٌ) مرسَلٌ ، (و) لكنْ (فيه) شوبُ (اتّصالٍ) بقوله : «وجدتُ بخطّ فلانٍ» .
و ربما دلّس بعضُهم فَذَكَر الذي وَجَدَ بخطّه وقال فيه : «عن فلان» أو «قال فلان» ، وذلك تدليسٌ قبيحٌ إن أوْهَمَ سَماعَه منه .
و جازفَ بعضُهم فأطلقَ في هذا «حدّثنا» و«أخبرنا» ، وهو غَلَطٌ منكر ۱ .
هذا كلّه إذا وَثقَ بأنّه خطُّ المذكور أو كتابُه ، (فإن لم يتحقّق) الواجدُ (الخطَّ قال : «بلغني) عن فلانٍ» ، (أو : «وجدتُ في كتابٍ أخبرني فلانٌ أنّه خطُّ فلانٍ») إن كانَ أخبره به أحدٌ ، أو : «في كتابٍ ظننتُ أنّه بخطّ فلانٍ» ، أو : «في كتاب ذكر كاتبه أنّه فلانٌ» ، أو : «قيل إنّه بخطّ فلانٍ» ، ونحو ذلك .
(و إذا نقلَ من نُسْخةٍ موثوقٍ بها) في الصحّة ، بأن قابَلها هو أو ثقةٌ على وجهٍ وَثقَ بها (لمصنّف) من العلماء ، (قالَ فيه) أي في نَقْله من تلك النسخة : («قال فلان») يعني ذلك المصنِّف ، (و إلاّ) يَثِق بالنسخة قال : («بلغني) عن فلان أنّه ذكر كذا وكذا» و«وجدتُ في نسخةٍ من الكتاب الفلاني» وما أشبه ذلك من العبارات .
و قد تسامح أكثرُ الناس في هذا الزمان بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تحرُّزٍ وتثبُّتٍ ؛ فيطالِعُ أحدُهم كتابا منسوبا إلى مصنِّفٍ معيّن ، وينقلُ منه عنه من غير أن يَثِقَ بصحّة النُسخة ، قائلاً : «قال فلان كذا» و«ذكر فلان كذا» .
و ليس بجيّد ، بل الصوابُ ما فصّلناه ۲ .
(إلاّ أن يكون) الناقلُ (ممّن يعرفُ الساقِط) من الكتاب (و المُغيَّر) منه المُصحَّف ؛ فإنّه إذا تأمّل ووَثقَ بالعبارة يُرجى له جوازُ إطلاق اللفظِ الجازم في ما

1.لاحظ مقدّمة ابن الصلاح : ۱۱۷ ـ ۱۱۸ ؛ وفتح المغيث للسخاوي ۳ : ۲۵ ـ ۲۶ .

2.لاحظ مقدّمة ابن الصلاح : ۱۱۷ ـ ۱۱۸ .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9195
صفحه از 616
پرینت  ارسال به