255
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

قال الشافعي : دباغها طهورها .
فقال إسحاق : ما الدليل؟
فقال : حديثُ ابن عبّاس عن ميمونة : «هلاّ انتفعتم بجلدها؟» يعني الشاة الميّتة .
فقال إسحاق : حديث ابن عُكَيْم ۱ : كتبَ إلينا النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم قبل موته بشهرٍ : «لا تنتفعوا من الميْتة بإهابٍ ولا عَصَبٍ» أشبه أن يكون ناسخا لحديث ميمونة ؛ لأنّه قبل موته بشهر .
فقال الشافعي : هذا كتابٌ وذاك سَماعٌ .
فقال إسحاق : إنّ النبيَّ صلى الله عليه و آله وسلم كتبَ إلى كسرى وقيصر ، وكان حُجّةً عليهم . فسكت الشافعي ۲ .
(و) حيث يَروي المكتوبُ إليه ما رواه بالكتابة (يقول فيها : كَتَبَ إليّ فلان ، قال : حدَّثنا فلانٌ» أو : «أخبرنا مكاتبةً» ، لا «حدّثنا») ولا «أخبرنا» مجرّدا ؛ ليتميّز عن السَماعِ وما في معناه .
(و قيل : بل يجوز) إطلاقُ لفظهما ۳ ؛ حيث إنّهما إخبارٌ في المعنى ، وقد أُطلق الإخبارُ لُغةً على ما هو أعمُّ من اللفظ ، كما قيل :

......... و تُخبرني العينانِ ما القلبُ كاتِمُ
(و سادسها : الإعلام ؛ وهو أن يُعلِم الشيخُ الطالبَ أنّ هذا الكتاب) أو هذا الحديثَ (روايتُه أو سماعُه) من فلان (مقتصِرا عليه) من غير أن يقولَ : «اِروِه عنّي» أو «أذنتُ في روايته» ونحوه .
(و في جواز الرواية به قولان) :

1.هو عبد اللّه بن عُكَيْم ـ بالتصغير ـ الجهني الكوفي . وفي النسخ : «ابن حكيم» والتصويب من المصادر .

2.حكاه السيوطي في الحاوي للفتاوي ۱ : ۲۱ ـ ۲۲ ؛ وفتح المغيث ۳ : ۳ مع التعليقة .

3.حكاه عن جماعة ـ منهم الليث بن سعد ومنصور ـ في مقدّمة ابن الصلاح : ۱۱۶ ؛ والتقريب والتيسير (المطبوع مع تدريب الراوي) ۲ : ۵۸ .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
254

(و هي) أي المكاتبة بهذه الصفة (في الصحّة والقوّة كالمناولة المقرونة بها) أي بالإجازة .
(و) الثاني : أن تقعَ (مجرّدةً عنها) .
و قد اختلف المحدّثون والأُصوليّون في جواز الرواية بها ، فمنعها قومٌحكاه في تدريب الراوي ۲ : ۵۵ عن قوم ، منهم القاضي أبو الحسن الماوردي والآمدي وابن القطّان ؛ وفتح المغيث للسخاوي ۳ : ۷ . ؛ من حيث إنّ الكتابة لا تقتضي الإجازة ؛ لما تقدّم من أنّها إخبار أو إذنٌ وكلاهما لفظيٌّ ، ولأنّ الخطوطَ تشتبه فلا يجوز الاعتماد عليها .
(و الأشهر) بينهم (جوازُ الرواية بها ؛ لتضمّنها الإجازة معنىً) وإن لم تقترن بها لفظا ؛ لأنّ الكتابة للشخص المعيّن وإرساله إليه أو تسليمه إيّاه قرينةٌ قويّةٌ وإشارة واضحةٌ تُشعر بالإجازة للمكتوب ، وقد تقدّم أنّ الإخبار لا ينحصر في اللفظ ، (كما يُكتفى في الفتوى) الشرعيّة (بالكتابة) من المفتي ، مع أنّ الأمر في الفتوى أخطرُ والاحتياط فيها أقوى .
(نعم ، يُعتبر معرفةُ الخطّ) أي خطّ الكتابِ للحديثِ (بحيث يأمنُ) المكتوبُ إليه (التزويرَ .
و شرطَ بعضُهم البيّنة) على الخطّ ۱ ، ولم يكتفِ بالعلم بكونه خطَّه ؛ حذرا من المشابهة ؛ إذ العلمُ في مثل ذلك عاديٌّ لا عقليٌّ .
و الأوّل أصحّ وإن كانَ هذا أحوطَ .
ثمّ على تقدير حُجيّة المكاتبة فهي أنزلُ من السَماع ، حتّى يرجّح ما رُوي بالسَماع على ما رُوي بها مع تساويهما في الصحّةِ وغيرِها من المرجِّحات ، وإلاّ فقد تُرجَّح المكاتبةُ بوجوهٍ أُخَرَ .
و قد وقع في مثل ذلك مناظرةٌ بين الشافعي وإسحاقَ بن راهوَيْه في جلود الميتة إذا دُبغتْ ؛ هل تطهرُ أم لا؟ يُناسب ذكرها هاهنا لفوائد كثيرة :

1.كالغزالي في المستصفى في علم الأُصول : ۱۳۱ ؛ وحكاه عنه السخاوي في فتح المغيث ۳ : ۱۰ .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9311
صفحه از 616
پرینت  ارسال به