223
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

(و كذا عَمَلُ العالم) المجتهد في الأحكام (و فُتياه) لغيره بفتوى (على وِفْق حديثٍ ليس حكما) منه (بصحّته ، ولا مخالفته له قدحا فيه) ولا في رواته ؛ (لأنّه) أي كلّ واحد من العمل والمخالفة (أعمُّ) من كونه مستندا إليه وقدحا فيه ؛ فيجوز في العمل الاستناد إلى دليلٍ آخرَ من حديثٍ صحيحٍ أو غيره ، وفي المخالفة كونها لشذوذه ، أو معارَضته لما هو أرجحُ منه ، أو غيرهما ، والعامّ لا يدل على الخاصّ .
و قد تقدّم الخلافُ في اشتراط عدالة الراوي مُطلقا ، فلعلّه قَبِلَ رواية غير العدل لأمرٍ عارِضٍ .

[المسألة] (السادسة :) في بيان الألفاظ المستعملة في الجرح والتعديل بينَ أهل هذا الشأن :

لمّا كان المعتبر عندنا في الراوي العدالةُ المستفادةُ من الملكة المذكورة ، ولم نكتفِ بظاهر حال المسلم ولا الراوي ، فلابُدّ في التعديل من لفظ صريح يدلّ على هذا المعنى .
و قد استعمل المحدّثون وعلماء الرجال ألفاظا كثيرة في التزكية ؛ بعضها دالّ على المطلوب ، وبعضها أعمُّ منه . فنحنُ نذكرها مفصّلةً ، ونبيّن ما يدلّ منها عندَنا عليه ، وما لا يدلّ .
فنقول :
(ألفاظ التعديل) الدالّة عليه صريحا :
قولُ المعدِّل : هو (عَدْلٌ) .
أو : هو (ثِقةٌ) .
و هذه اللفظة وإنْ كانت مستعملةً في أبواب الفقه أعمَّ من العدالة ، لكنّها هُنا لم تُستعمل إلاّ بمعنى العدل ، بل الأغلب استعمالها خاصّةً .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
222

و(لو عَلِمَ به) لَما وثّقه .
و أصالة عدم الجارح مع ظُهور تزكيته غيرُ كافٍ في هذا المقام ؛ إذ لابُدّ من البحث عن حال الرواة على وجهٍ يظهر به أحدُ الأُمور الثلاثة : من الجرح ، أو التعديل ، أو تعارضهما حيث يمكن ، بل إضرابه عن تسميته مريبٌ في القلوب .
(نعم ، يكون ذلك) القولُ (منه تزكيةً) للمرويّ عنه (حيثُ يقصدُها) بقوله : «حدّثني الثقة» ؛ إذ قد يقصد به مجرّد الإخبار من غير تعديل ، فإنّه قد يتجوّز في مثل هذه الألفاظ في غير مجلس الشهادة .
و هل يُنزّل الإطلاقُ على التزكية ، أم لابُدّ من استعلامه؟ وجهان ، أجودُهما تنزيله على ظاهره من عدم مُجازفة الثقة في مثل ذلك .
و على تقدير تصريحه بقصد التزكية ، أو حمل الإطلاق عليها (ينفع) قولُه (مع ظهور عدم المعارض) . وإنّما يتحقّق ظهوره مع تعيينه بعد ذلك والبحث عن حاله ، وإلاّ فالاحتمال قائمٌ كما مرّ .
و ذهب بعضهم إلى الاكتفاء بذلك ما لم يظهر المعارِض أو الخلاف ۱ . وقد ظهر ضعفُه .
و مثله : ما لو قال : «كلّ مَنْ رويتُ عنه فهو ثقة وإنْ لم اُسمِّه» ثمّ روى عمّن لم يسمِّه ، فإنّه يكونُ مزكّيا له ، غيرَ أنّا لا نعمل بتزكيته هذه ؛ لما قرّرناه .
و قول العالم : «هذه الرواية صحيحة» في قوّة الشهادة بتعديل رواتها ؛ فأولى بعدم الاكتفاء بذلك .
(ولو روى العدلُ عن رجل سمّاه ، لم تُجعل روايته عنه تعديلاً له على) القول (الأصحّ) بطريق أولى ؛ لأنّه يجوز أن يرويَ عن غير عدلٍ ، وقد وقعَ من أكثر الأكابر من الرواة والمصنّفين ذلك ، خلافا لشذوذ من المحدّثين ؛ ذهبوا إلى اقتضاء ذلك التعديل ۲ .

1.اُنظر مقدّمة ابن الصلاح : ۸۸ ؛ فتح المغيث ۲ : ۳۶ ـ ۳۷ ؛ تدريب الراوي ۱ : ۳۱۰ ـ ۳۱۱ .

2.حكاه عن ابن المنير في الكفيل السخاوي في فتح المغيث ۲ : ۴۰ .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9389
صفحه از 616
پرینت  ارسال به