155
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

الذي هو أخصّ من مطلق الكذب وإن لم يكن قسيما للأعمّ ، ومرجعه إلى حصر الخبر الكاذب في نوعيه ، وهما : الكذب عن عمد ، والكذب لا عن عمدذكر كلام الجاحظ بتفصيله وجوابه التفتازاني في المطوّل : ۴۰ ـ ۴۱ . .
ونبّه بقوله : (سواء وافق اعتقاد المخبر أم لا) على خلاف النظام ؛ حيث جعل صِدقَ الخبر مطابقتَه لاعتقاد المخبر مطلقا ، وكِذبَه عدمَ المطابقة كذلك ؛ فجعل قول القائل : «السماء تحتنا» معتقدا ذلك : صدقا ، وقوله : «السماء فوقنا» غير معتقد ذلك : كذبا .
محتجّا بقوله تعالى : «إِذَا جَآءَكَ الْمُنَـفِقُونَ ـ إلى قوله ـ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـفِقِينَ لَكَـذِبُونَ » ۱ ، حيث سجّل اللّه تعالى عليهم بأنّهم كاذبون في قولهم : «إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» مع أنّه مطابق للواقع ؛ حيث لم يكن موافقا لاعتقادهم فيه ذلك ، فلو كان الصدق عبارةً عن مطابقة الواقع مطلقا لما صحّ ذلك .
و أُجيب : بأنّ المعنى : لكاذبون في الشهادةِ وادّعاءِهم فيها مواطاة قلوبهم لألسنتهم ، فالتكذيب راجع إلى قولهم : «نَشْهَدُ» باعتبار تضمّنه خبرا كاذبا ، وهو أنّ شهادتهم صادرة عن صميم القلب وخلوص الاعتقاد ؛ بشاهد تأكيدهم الجملة ب «إنّ» و«اللام» والجملة الاسميّة .
أو أنّ المعنى : لكاذبون في تسمية هذا الإخبار شهادةً .
أو في المشهود به ؛ أعني قولهم : «إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» في زعمهم ؛ لأنّهم يعتقدون أنّه غير مطابق للواقع ، فيكون كذبا عندهم وإن كان صدقا في نفس الأمر ؛ لوجود مطابقته فيه .
أو في حلفهم أنّهم لم يقولوا : «لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ» ۲ ؛ لما روي عن زيد بن أرقم أنّه سمع عبد اللّه بن أُبَيّ يقول ذلك ، فأخبر

1.سورة المنافقون (۶۳) : ۱ .

2.سورة المنافقون (۶۳) : ۷ .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
154

(فالثاني) وهو الكذب . وبذلك ظهر وجه الحصر .
و لا يرد على الأوّل مثل قول من قال : «محمّد ومُسيلمة صادقان» ؛ فإنّه صادق من إحدى الجهتين ، وكاذب من أُخرى ؛ لأنّا إن جعلناه خبرا واحدا فهو كاذب ، وإن جعلناه خبرين ـ كما هو الظاهر ـ فهو صادق في أحدهما ، كاذب في الآخر .
و نبّه بقوله : «في الأصحّ» على خلاف الجاحظ ؛ حيث أثبت فيه واسطةً بينهما ، وشَرَط في صدق الخبر مع مطابقته للواقع : اعتقادَ المخبرِ أنّه مطابق ، وفي كذبه مع عدم مطابقته له : اعتقادَ أنّه غير مطابق ، وما خرج عنهما فليس بصدق ولا كذب .
و تحرير كلامه : أنّ الخبر إمّا مطابق للواقع أو لا ، وكلّ منهما إمّا مع اعتقاد أنّه مطابق ، أو اعتقاد أنّه غير مطابق ، أو بدون الاعتقاد ؛ فهذه ستّة أقسام :
واحد منها صادق ، وهو المطابق للواقع مع اعتقاد أنّه مطابق .
و واحد كاذب ، وهو غير المطابق مع اعتقاد أنّه غير مطابق .
و الأربعة الباقية ـ وهي المطابقة مع اعتقاد اللامطابقة ، أو بدون الاعتقاد ، وعدم المطابقة مع اعتقادها ، أو بدون الاعتقاد ـ ليست بصدق ولا كذب .
فكلٌّ من الصدق والكذب بتفسيره أخصّ منه بتفسير الجمهور .
و استند الجاحظ في قوله إلى قوله تعالى : «أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ» ۱ حيث حصر الكفّارُ إخبار النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم في الافتراءِ والإخبارِ حالَ الجِنّة ، على سبيل منع الخلوّ . ولا شُبهة في أنّ المراد بالثاني غير الكذب ؛ لأنّهم جعلوه قسيمه ، وهو يقتضي أن يكون غيرَه وغيرَ الصدق أيضا ؛ لأنّهم لا يعتقدون صدقه صلى الله عليه و آله .
و لمّا كانوا من أهل اللسان ، عارفين باللغة ، وقد أثبتوا الواسطة ؛ لزم أن يكون من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب ليكون هذا منه بزعمهم،وإن كان صادقا في نفس الأمر.
و أُجيب : بأنّ الواسطة التي أثبتوها إنّما هي بين افتراء الكذب والصدق ، وهو غير مطلق الكذب ؛ لأنّه تعمّد الكذب ؛ وحيث لا عمد للمجنون كان خبره قسيما للافتراء

1.سورة سبأ (۳۴) : ۸ .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9535
صفحه از 616
پرینت  ارسال به