169
ضياء الشّهاب في شرح شِهاب الأخبار

تقوم ولا تستقيم إلّا بالعماد ۱ ، كذلك أمرُ هذا الدِّين لا يستقيم إلّا بالفقه ، وهو معرفة الأحكام والفرق بين الحلال والحرام .
ومعنى الخبر السابع : أنّ الذي يحتاج المكلّفون إليه من أسباب التكليف كلّه سهل ميسَّر لهم ، ليس فيه غموض يشكل عليهم معرفته أو يصعب عليهم فعله وإن كان فيه مشقّة .
قال ابن قتيبة : معناه أنّه إذا أشكل الحظر والإباحة فغلِّبوا الحظر عليها احتياطاً ولا إشكال ؛ والحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وبين ذلك اُمور مشتبهات ، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، وليس في دين اللّه إشكال يشبِّه الحقَّ بالباطل والرشد بالغيِّ ، وإنَّ اللّه ما كلَّفهم المشكلات التي لا فائدة فيها ؛ فإنّ طلب معرفتها حرام ، نحو أن يشتغل أحدنا بأن يعلم كم مربَّع وكم مثلَّث ومخمّس وكم من مسبَّع ومسدَّس يجيء من مدوّر إلى مثل الهندسة؟ وكم على دابةٍ شَعر؟ وكم بين السماء والأرض ؟
وقوله : «كلّ مسكر حرام» معناه : أنّ كلّ ما يُسكِر كثيره وقليله حرام يجب الحدّ على شاربه وإن لم يكن عين الخمر ، ولا يجوز استعماله بالشرب ولا التداوي به ولا التصرّف فيه بالبيع والهبة ، وينجس ما يحصل فيه المسكر ، ويحرم جميع أجناس المسكرات مطبوخه ونيّه ۲ على كلّ حال وإن اختلف عليه الأسماء ؛ كالخمر لما يكون من العصير ، والنبيذ من الزبيب ، والنقيع من التمر ، والبِتعْ من العسل ، والمِزْر من الحنطة .
وعموم النصّ يتناول تحريم كلّها ، وليس بعضها ملحقاً بالقياس بالخمر حكماً لما

1.في المخطوطة : + «و» ، فحذفناه لاقتضاء السياق .

2.النيء: ما لم ينضج. العين، ج ۸ ، ص ۳۹۲ (نيأ).


ضياء الشّهاب في شرح شِهاب الأخبار
168

و لم يجهدا ؛ فإنّ اللّه يُهيِّئ الأسباب في ذلك ، وقد يجتهد الإنسان أن يتزوّج امرأة ولا يتيسّر له وإن بالغ . والأحسن أن يقول : لكلّ هاهنا علم في أفعال اللّه تعالى ولا يدخل أفعال العبد تحته ؛ لأنّه تعالى لو أوجب على عباده فعل القبائح لما عاقبهم بفعل نفسه وبما هو على الإلجاء والإكراه فيهم من قبله .
وقال بعض العلماء : القَدَر هاهنا بمعنى الحدّ ، أي لكلّ شيء حدّ لا يجوز مجاوزته وإن كان في العجز والكيس ، يعني : لا يبالغ أحد في طلب الكسب ولا يجاوز الحدّ فيه ولا يتأخَّر عن طلبه بمرَّة ، بل يُحسن الطلب ؛ فإنّ كلّاً ۱ ميسَّرٌ لما خُلق له . ۲ وقد قدّمنا أنّ العجز عند العرب فقد الهداية إلى طلب الرزق ويكون ضدّ القدرة . والكيس : علمٌ كسبي .
ومعنى الخبر الخامس : أنّ حرص العالم على العلم لا ينقطع ؛ فإنّه لا يزال حيّاً يشتغل بتحصيله وجمعه ، ويعلم ما لم يعلم ، والعلوم لا نهاية لها وكلّها حسن ، وكلُّ مَن علم حُسن شيء وأنّ فيه منفعة عاجلة وآجلة سارع إليه ويكون في حكم الملجأ عليه . و«الغرثان» : الجائع ۳ ، وهاهنا استعارة .
و«العمادُ» ۴ : الخشبُ الذي يقوم به البيوت والخِيَم ؛ يقول : كما أنّ المساكن لا

1.في المخطوطة : «كان» بدل «كلّاً» خلافا لاقتضاء العبارة .

2.اقتباس من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «كلٌّ ميسَّر لما خلق له» . راجع : مسند أحمد ، ج ۱ ، ص ۶ و ۸۲ و ص ۱۵۷ ؛ و ج ۳ ، ص ۳۰۴ ؛ و ج ۴ ، ص ۶۷ و ۴۳۱ ؛ صحيح البخاري ، ج ۶ ، ص ۸۶ ؛ و ج ۸ ، ص ۲۱۵ ؛ صحيح مسلم ، ج ۸ ، ص ۴۷ و ۴۸ ؛ سنن إبن ماجة ، ج ۱ ، ص ۳۰ ، ح ۷۸ ، و ص ۳۵ ، ح ۹۱ ؛ و ج ۲ ، ص ۷۲۵ ، ح ۲۱۴۲ ؛ الجامع الصغير ، ج ۱ ، ص ۱۸۱ ، ح ۱۲۰۲ ؛ و ج ۲ ، ص ۲۸۷ ، ح ۶۳۵۸ ؛ كنزالعمّال ، ج ۱ ، ص ۱۱۰ ، ح ۵۱۳ و ۵۱۶ . التوحيد للصدوق ، ص ۳۵۶ ، ح ۳ ؛ عوالي اللئالي ، ج ۴ ، ص ۲۲ ، ح ۶۷ ؛ بحارالأنوار ، ج ۴ ، ص ۲۸۲ ؛ و ج ۵ ، ص ۱۵۷ ، ح ۱۰ .

3.راجع : العين ، ج ۴ ، ص ۴۰۰ ؛ لسان العرب ، ج ۲ ، ص ۱۷۲ (غرث) .

4.هذا بداية في شرح الخبر السادس، وكان مقتضى السياق أن يبيّن ذلك كما صنعه في غيره.

  • نام منبع :
    ضياء الشّهاب في شرح شِهاب الأخبار
    سایر پدیدآورندگان :
    قطب الدین ابی الحسین سعید بن هبة الله راوندی، تحقيق: مهدی سليمانی آشتيانی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1389
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9893
صفحه از 627
پرینت  ارسال به