يَكسِب الإنسانَ الطّاعة في حَياته ، أي مَنْ كان عالما كان للّه تعالى مُطيعا ، كما قال سبحانه : «إنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاء» ۱ . ثم قال : «وجميل الأُحدوثة بعد وفاتِه » ، أي الذّكر الجميل بعد مَوْتِه .
ثم شرع في تفضيل العِلم على المال من وجهٍ آخَر ، فقال : «العلمُ حاكِم ، والمال محكومٌ عليه » ، وذلك لعِلْمك أنّ مَصلحَتَك في إنفاق هذا المال تُنفّقه ، ولِعِلمك بأنّ المصلحة في إمساكه تمسّكه ، فالعِلم بالمصلحة داعٍ ، وبالمَضَرّة صارف ؛ وهما الأمْران الحاكمان بالحَرَكات والتصرّفات إقداما وإحْجاما ، ولا يكون القادر قادرا مختارا إلاّ باعتبارهما ؛ وليسا إلاّ عبارةً عن العِلم أو ما يجري مَجرَى العِلم من الاعتقاد والظّنّ ، فإذَنْ قد بان وظهرَ أن العلم من حيثُ هُوَ علمٌ حاكم ، وأنّ المال ليس بحاكم ، بل محكوم عليه .
ثم قال عليه السلام : «هَلك خُزّان المال وهم أحياء» ؛ وذلك لأنّ المالَ المخزون لا فرق بينه وبين الصّخرة المدفونة تحتَ الأرض ، فخازِنه هالك لا مَحالَة ؛ لأنّه لم يلتذّ بإنفاقه ، ولم يَصرِفْه في الوجوه الّتي نَدَب اللّهُ تعالى إليها ، وهذا هو الهلاك المَعْنَويّ ، وهو أعظمُ من الهلاك الحِسّيّ .
ثم قال : «والعلماءُ باقون مابقيَ الدهر» ، هذا الكلامُ له ظاهر وباطن ، فظاهرُه قولُه : « أعيانُهم مفقودة ، وأمثالُهم في القلوب موجودة» ، أي آثارُهم وما دَوّنوه من العُلوم ، فكأنّهم موجودون ، وباطنه أنّهم موجودون حقيقةً لا مَجازا ، على قولِ مَن قال ببقاء الأنْفس . وأمثالهم في القلوب : كنايةٌ ولُغز ، ومعناه ذواتُهم في حظيرة القُدّوس ، والمُشارَكة بينها وبين القلوب ظاهرة ؛ لأنّ الأمر العامَّ الّذي يَشمَلُهما هو الشّرف ، فكما أنّ تلك أشرَفُ عالَمها ، كذا القلبُ أشرَفُ عالمه ، فاستُعير لفظُ أحدِهما وعُبِّر به عن الآخر .
قوله عليه السلام : «ها إنّ هاهنا لَعِلما جَمّا ، وأشار بيَدِه إلى صدره» ، هذا عندي إشارةٌ إلى العِرْفان والوُصول إلى المقام الأشرَف الّذي لا يصل إليه إلاّ الواحد الفَذّ من العالَم ممّن للّه تعالى فيه سرّ ، وله به اتّصال . ثم قال : «لو أصبت له حَمَلةً !» ، ومن الّذي يُطيق حَمْله ! بل مَن الذي يُطِيق فهمَه فضلاً عن حَملِه ! ثم قال : «بلى أُصيب» . ثمّ قسّم [ الذين ] يصيبهم خمسةَ أقسام :