أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّهِ ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ : مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ ، الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدُ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا ، وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا ، وَأَنْ يَنْصُرَ اللّهَ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ ؛ فَإِنَّهُ ، جَلَّ اسْمُهُ ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ . وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ ، وَيَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ، إِلاَّ مَا رَحِمَ اللّهُ .
ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ ، أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلاَدٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاَةِ قَبْلَكَ ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ ، فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةً الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، فَامْلِكْ هَوَاكَ ، وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَكَ ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْس الاْءِنْصَافُ مِنْهَا فَيَما أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ .
الشّرْحُ:
نصرة اللّه باليد : الجهاد بالسيف ، وبالقلب : الاعتقاد للحقّ ، وباللسان : قولُ الحقّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد تكفَّل اللّه بنُصرة من نَصَره ؛ لأنّه تعالى قال : «وَلَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ» ۱ . والجمَحات : منازعة النَفْس إلى شهواتها ومآربها ، ونزعها بكفّها .
ثم قال له : قد كنت تسمع أخبار الولاة ، وتعيب قوما وتمدح قوما ، وسيقول الناس في إمارتك الآن نحو ما كنت تقول في الأُمراء ؛ فاحذر أن تعاب وتذمّ كما كنت تعيب وتذمّ مَنْ يستحقّ الذم . ثم قال : إنما يستدلّ على الصالحين بما يكثر سماعه من ألْسنة النّاس بمدحهم والثناء عليهم ؛ وكذلك يستدلّ على الفاسقين بمثل ذلك . وكان يقال : ألسنة الرعيّة أقلام الحقّ سبحانه إلى الملوك . ثم أمره أن يشحّ بنفسه ، وفسّر له الشحّ ما هو ؟ فقال : أن تنتصف منها فيما أحبّت وكرهت ، أي لا تمكنها من الاسترسال في الشهوات ، وكُنْ أميرا عليها ،