غلبة الواهمة. وروى عن النبى صلى الله عليه و آله قال: «إنَّ كَلَّ شَخصٍ وُلِدَ مِن اُمِّه وُلِدَ لَهُ شَيْطانُ الْوَهْمِ» ۱ فالقوّة الواهمة للإنسان بمنزلة الشيطان لآدم عليه السلام فإنّ الملائكة كلّهم قد سجدوا لآدم عليه السلام إلّا إبليس، فكذلك سائر القوى فإنّها كلّها قد أطاعت الإنسان بخلاف الواهمة فإنّها لم تطع له. فعلم من ذلك فعل الواهمة أيضا.
وأمّا المتفكّرة فهى قوة تابعة مرّة للعقل فهى حينئذٍ تسمّى فاكرة متفكّرة، ومرّة تابعة للوهم فهى حينئذٍ تسمّى متخيّلة. ففعلها أنّها تنظر كلّ ما كتب فى القوّة الحافظة من الصحيح والفاسد وتميّز بينهما، وتحكم بصحّة الصحيح فى الواقع وفساد الفاسد فيه، فالمتفكّرة هى القوّة المعبّر عنها بالمتصرّفة مرّةً اُخرى، لتصرّفها فيما كتب فى الحافظة، كما عرفت. ثمّ إنّ المتكفّرة شأنها إدراك الحقائق وإدراك الواقع، فإنّها كقارئ يقرأ اللوح المسطور أمامه ولا يفتى غير ما فيه ولا يقرأ إلّا ما كتب فيه، فلذلك لا يقع فيه الخطأ.
وأمّا الحافظة فهى قوّة تحفظ جميع ما ورد من الاُمور الظاهريّة فيها بواسطة الحواسّ الظاهريّة والباطنيّة، ثمّ إنّ الحافظة إذا ورد إليها صورة شى ء أو شخص فى المرّة الاُولى ومرّ عنها مرور زمان بعيد، ورئى بعد ذلك، ذلك الشى ء ثانية فتقابله المتفكّرة بما فى الحافظة وتلاحظة بالمرّة الاُولى فإن طابقها تعرف أنّه مارٌّ بها قبل هذا فى المرّة الاُولى، وإن خالفها يعرفه أنّه غيرها. فالقوّة الحافظة بمنزلة اللوح المسطور، والقوّة الذاكرة المتفكّرة بمنزلة القارئ، والقوّة المتخيّلة بمنزلة الكاتب، والقوّة المتوهّمة بمنزلة الشيطان، والحسّ المشترك بمنزلة البحر الّذى أجريت إليه أنْهار عديدة وتكون كلّها فيه شيئا واحدا وماءً واحدا، فهو مجمع البحرين وهما بحر الحواسّ الظاهرة وبحر الحواسة الباطنة، فله جهة اشتراك بينهما فلذلك سمّى بالحسّ المشترك، فلاشتراكه بينهما صار مجمع البحرين وبالعكس أى كونه مجمع البحرين