فوق ذلك معرفة.
والحاصل أنّه «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ» بأنّ لها أصل كامل لانقصان فيه بوجهٍ ، فيعرف بذلك ربّه أنّه كامل من جميع الجهات لانقصان فيه فيعبده ويطيعه ويمتثله على وجه الكمال ليجعلها كأصلها كاملاً لا نقصان فيه ، وذلك معنى قوله عليه السلام : «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَف رَبَّهُ» وقوله «أعْرَفَكُمْ لِنَفْسِهِ أعْرَفَكُمْ لِرَبِّه» فافهم .
الرابع عشر : من عرف نفسه أنّ لها جهتين : جهة إساءة وجهة إطاعة عرف بذلك ربّه ؛ لأنّ الإطاعة تقتضى المطاع وهو اللّه تعالى ، فعلم أنّه «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» .
وبعبارة اُخرى «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ» أنّ لها جهتين : جهة سعادة وجهة شقاوة عرف بذلك ربّه ، لأنّ السّعادة بالامتثال والإطاعة ، والشقاوة بعدم الامتثال وعدم الإطاعة وقد مرّ أنّ الإطاعة والامتثال يقتضى المطاع والممتثل [بالفتح ]وقد مرّ أنّه هو اللّه . وأيضا أنّ الإطاعة والامتثال يقتضى الآمر وهو اللّه ورسوله ووليّه ، فعلم أنّه من عرف نفسه فقد عرف ربّه وعرف رسوله وعرف وليّه ، بل وعرف جنّته وناره ؛ لأنّ الإطاعة والامتثال لأمر الآمر يقتضى الجزاء وهو الجنّة والحور والقصور والرضوان ، وعدم الإطاعة وعدم الامتثال لأمر الآمر يقتضى أيضا الجزاء وهو النارو العذاب والسخط والعتاب بالخلود وغيره . بل وعرف ميعاده وحشره ونشره ؛ لأنّ الجزاء بقسميه خيرا وشرّا وجنة ونارا ، إنّما هو بعد وقوع الحشر والنشر ، وبعد وقوع الحساب ، وبعد وقوع الميزان .
فبالجملة إنّ هذا الكلام كلام صغير الحجم كثير المعنى ، فمن هنا قيل : الكلام ما قلّ ودلّ ، ففى هذا الكلام جُمِعَ جميع اُصول الدين واُصول الإيمان وجميع فروع الدين بل وجميع أحكام الدنيويّة والاُخرويّة ، فمن هنا قيل : كلام الملوك ملوك الكلام ، ومَلِكُ الملوك وأمير الاُمراء وأميرالمؤمنين هو علىّ بن أبى طالب عليه السلام وهذا الحديث له وقولنا : أميرالمؤمنين له خاصّة لا لغيره ، والمؤمنين فى قولنا : «علىّ أميرالمؤمنين» يَعُمُّ