39
الأصول الستة عشر من الأصول الأولیة

وبهذا يظهر أنّ الذين ذهبوا إلى تضعيف الأخبار اعتمادا على الظنون تركوا عمل الطائفة وخرجوا عن الاعتدال، لذلك نرى أنّ أغلب الذين ذهبوا إلى هذه النظريات خالفوا عمل أجلاّء الطائفة، فكثير ممّن ورد تضعيفهم في كتب الرجال ـ والذي تلقّاه الكثير بمعنى عدم حجّية أخبارهم ـ رويت أخبارهم من قبل أجلاّء الطائفة، وهو أكبر دليل على تخطئة هذه الفكرة ؛ فبعض هذه التضعيفات كانت أخبار آحاد ولم تصدر من أفراد أذكياء ومعتدلين، وعلى فرض صحّتها فهي لا تعني عدم حجّية جميع ما يروونه. على أنّه توجد في أغلب الأعصار خطوط فكرية واجتماعية تثير نيران العصبيّة بين الضعفاء، ممّا تسبّب تضعيف كلّ من يخالف رأيهم، وإن كان الحقّ ـ في الغالب ـ هو الذي يذهب الجمهور إليه، ولكن وجود بعض المعايب في الأشخاص لا يقتضي سلب الإيمان والعدالة عنهم فورا ؛ لذا يجب العمل في مثل هذه المسائل بما بيّنه الإمام عليه‏السلام ـ لمّا سألوه عن كتب بني فضّال ورواياتهم ـ بقوله: «خذوا ما رووا، وذروا ما رأوا»۱. وتخطئة بعض هذه الأفكار في الرجال لا تعني حجّية جميع الأخبار ـ ولم يقل بذلك أحد من أجلاّء المتقدّمين، وإن سرت هذه الشبهة إلى أذهان بعض المتأخّرين ؛ وذلك لقلّة اطلاعهم ـ بل تعني أنّه عند مواجهة الأخبار يجب السير على اُصول ثابتة ومسلّمة، وهي التي وردت في أحاديث العترة عليهم‏السلام، وهذه الاُصول تجري في حقّ رواية جميع الرواة حتّى الذين لم يُغمز فيهم، ولا تنحصر في حقّ جماعة خاصة ؛ فليس كلّ ما ورد عن أبي بصير أو محمّد بن مسلم أو زرارة رحمهم‏الله حجّة مطلقا في مقام العمل.

فتبيّن أنّه لا يمكن الاعتماد على بعض هذه التضعيفات والأقوال الشاذّة في الرجال بوجه، خصوصا إذا كانت معارضةً بعمل الأصحاب. وكم أحدثت مثل هذه النظريات الشاذّة من المشاكل في المجامع العلمية! وكم شوّهت صورة بعض المسائل

1.. الغيبة للطوسي : ص۳۹۰ ، ح۳۵۵ ، عن الإمام العسكري عليه‏السلام .


الأصول الستة عشر من الأصول الأولیة
38

أو نهر من أنهارها، عليه عدّة من القرى، كما قاله السمعاني في كتاب الأنساب، قال: ونسب إليها جماعة من مشاهير المحدّثين بالكوفة....

وقد نصّ شيخ الطائفة ـ طاب ثراه ـ في الفهرست على رواية ابن أبي عمير كتابَ زيد النرسي كما ذكره النجاشيّ، ثمّ ذكر في ترجمة ابن أبي عمير طرقه التي تنتهي إليه.

والذي يناسب وقوعه في إسناد هذا الكتاب هو ما ذكره فيه وفي المشيخة: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد العلويّ الموسويّ، عن عبيد اللّه‏ بن أحمد بن نهيك، عن ابن أبي عمير»۱.

أقول: علاوة على المذكورين الذين مرّت أسماؤهم، روى أحاديث كتاب زيد النرسيّ ابن قولويه في كامل الزيارات، والمحمّدون الثلاثة في الموارد الآتية. وأيضا روى الكتابين من معاصري ابن الوليد ومن طبقة مشايخه ومن عظماء الطائفة ومشايخ الرواية ؛ كأبي محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ، وأبي عليّ محمّد بن همام، وحميد بن زياد النينوي، وأبي العبّاس ابن عقدة، كيف أنّ هؤلاء مع أنّهم من مهَرة الأخبار ومتضلّعي الفنّ جهلوا وابن الوليد علم ؟! ولم يثبت كون ابن الوليد أعرف من هؤلاء في فنون الأخبار ورجال الحديث.

ومما مرّ عليك يثبت أنّ الكتابين كانا مورد عمل الأصحاب ومورد اعتمادهم، ولم يصح ما نسب إلى ابن الوليد من عدم إمكان الاعتماد عليهما وأنّه متفرّد في طريقه، بل الصدوق الذي نقل قوله من طريقه وصرّح بتبعيّته له في الجرح والتوثيق لم يتبعه في هذا الأمر عملاً مع تصريحه بذلك ظاهرا، إلاّ على القول برجوعه عن اتّباع شيخه ـ كما هو الظاهر ـ واتّباعه له كان في بداية أمره، وهو دليل آخر على صحة الكتابين، بل علاوة على ذلك فإنه نقل عنه في الفقيه الذي أورد فيه ما هو المعتبر بنظره وما يفتي به، كما جاء في مقدّمة كتابه.

1.. المصدر السابق : ص۶۲ .

  • نام منبع :
    الأصول الستة عشر من الأصول الأولیة
    سایر پدیدآورندگان :
    ضیاء الدین محمودى
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1381
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7201
صفحه از 428
پرینت  ارسال به