31
الأصول الستة عشر من الأصول الأولیة

ثمّ قال: وقول الشيخ في الفهرست: وكتاب زيد النرسيّ رواه ابن أبي عمير عنه، فيه تخطئة ظاهرة للصدوق وشيخه في حكمهما بأنّ أصل زيد النرسيّ من موضوعات محمّد بن موسى الهمدانيّ، فإنّه متى صحّت رواية ابن أبي عمير إياه عن صاحبه امتنع إسناد وضعه إلى الهمدانيّ المتأخّر العصر عن الراوي والمرويّ عنه.

وأمّا النجاشيّ، وهو أبو عذرة هذا الأمر وسبّاق حلبته كما يعلم من كتابه الذي لا نظير له في فنّ الرجال، فقد عرفت من كلامه روايته لأصل زيد النرسيّ ـ في الحسن كالصحيح، بل الصحيح على الأصح ـ عن ابن أبي عمير، عن صاحب الأصل. وقد روى أصل زيد الزرّاد عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه وعليّ بن بابويه، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن ابن أبي عمير، عن زيد الزرّاد. ورجال هذا الطريق وجوه الأصحاب ومشايخهم، ليس فيهم من يُتوقّف في شأنه سوى العبيديّ، والصحيح توثيقه. وقد اكتفى النجاشي بذكر هذين الطريقين ولم يتعرّض لحكاية الوضع في شيء من الأصلين، بل أعرض عنها صفحا وطوى دونها كشحا ؛ تنبيهاً على غاية فسادها مع دلالة الإسناد الصحيح المتّصل على بطلانها.

وفي كلامه في زيد النرسيّ دلالة على أنّ أصله من جملة الاُصول المشهورة المتلقّاة بالقبول بين الطائفة، حيث أسند روايته عنه أوّلاً إلى جماعة من الأصحاب ولم يخصّه بابن أبي عمير. ثمّ عدّ في طريقه إليه من مرويّات المشايخ الأجلّة، وهم: أحمد بن عليّ بن نوح السيرافيّ، ومحمّد بن أحمد بن عبد اللّه‏ الصفوانيّ، وعليّ بن إبراهيم القميّ، وأبوه إبراهيم بن هاشم. وقد قال في السيرافيّ: إنّه كان ثقة في حديثه، متقنا لما يرويه، فقيها بصيرا في الحديث والرواية. وفي الصفوانيّ: إنّه شيخ، ثقة، فقيه، فاضل. وفي القميّ: إنّه ثقة في الحديث. وفي أبيه: إنّه أوّل من نشر أحاديث الكوفيين بقم.

ولا ريب في أنّ رواية مثل هؤلاء الفضلاء الأجلاّء، تقتضي اشتهار تلك الاُصول في زمانهم، وانتشار أخبارها فيما بينهم.

وقد علم مما سبق كونه من مرويّات الشيخ المفيد وشيخه أبي القاسم جعفر بن


الأصول الستة عشر من الأصول الأولیة
30

والقدح فيه بما ذكره فإنّما الأصل فيه محمّد بن الحسن بن الوليد القميّ، وتبعه على ذلك ابن بابويه على ما هو دأبه في الجرح والتعديل والتضعيف والتصحيح، ولا موافق لهما فيما أعلم.

وتضعيف القمّيين وقدحهم في الاُصول والرجال معروف ؛ فإنّ طريقتهم في الانتقاد تخالف ما عليه جماهير النقّاد، وتسرّعهم إلى الطعن بلا سبب ظاهر ممّا يريب اللبيب الماهر. ولم يلتفت أحد أئمّة الحديث والرجال إلى ما قاله الشيخان المذكوران في هذا المجال، بل المستفاد من تصريحاتهم وتلويحاتهم تخطئتهما في ذلك المقال، قال الشيخ ابن الغضائري ـ ونقل ما مر عنه ـ ثمّ قال: وناهيك بهذه المجاهرة في الردّ من هذا الشيخ الذي بلغ الغاية في تضعيف الروايات والطعن في الرواة، حتّى قيل: إنّ السالم من رجال الحديث مَن سلم منه، وأنّ الاعتماد على كتابه في الجرح طرح لما سواه من الكتب. ولولا أنّ هذا الأصل من الاُصول المعتمدة بالقبول بين الطائفة لما سلم من طعنه وغمزه، على ما جرت به عادته في كتابه الموضوع لهذا الغرض، فإنه قد ضعّف فيه كثيرا من أجلاّء الأصحاب المعروفين بالتوثيق ؛ نحو إبراهيم بن سليمان بن حبان، وإبراهيم بن عمر اليمانيّ، وإدريس بن زياد، وإسماعيل بن مهران، وحذيفة بن منصور، وأبي بصير ليث المراديّ، وغيرهم من أعاظم الرواة وأصحاب الحديث. واعتمد في الطعن عليهم غالبا باُمور لا توجب قدحاً فيهم بل في رواياتهم ؛ كاعتماد المراسيل، والرواية عن المجاهيل، والخلط بين الصحيح والسقيم، وعدم المبالاة في أخذ الروايات، وكون رواياتهم مما تعرف تارة وتنكر اُخرى، وما يقرب من ذلك، هذا كلامه عن هؤلاء المشاهير الأجلّة.

وأمّا إذا وجد في أحد ضعفا بيّنا وطعنا ظاهرا ـ وخصوصا إذا تعلّق بصدق الحديث ـ، فإنّه يقيم عليه النوائح ويبلغ منه كلّ مبلغ ويمزّقه كلّ ممزّق. فسكوت هذا الشيخ عن أصل زيد النرسيّ ومدافعته عن أصله بما سمعت من قوله، أعدل شاهد على أنّه لم يجد فيه مغمزا، ولا للقول في أصله سبيلاً.

  • نام منبع :
    الأصول الستة عشر من الأصول الأولیة
    سایر پدیدآورندگان :
    ضیاء الدین محمودى
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1381
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7263
صفحه از 428
پرینت  ارسال به