313
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

لا يقف عند حدّ معيّن، بل هو إلى ذلك من أفضل العبادة.

الثانية: لا تعني القناعة في مضمار الاستهلاك تضييق المعيشة، بل ما ينشده الإسلام هو رعاية حال التوازن في الاستهلاك، ومن هذا المنطلق نهى هذا الدين عن الإسراف والتقتير معا ؛ طلبا للاعتدال.

الثالثة: يكمن الهدف من وراء طرح القناعة في الإسلام بالإنفاق على المحتاجين وخدمة المعوزين، وتأمين هذا الهدف هو بمعنى ازدياد الاستهلاك على مستوى المجتمع. بعبارة اُخرى: تستبدل القناعة زيادة استهلاك الطبقة المرفّهة بازدياد الإنفاق في أوساط عموم الناس.

على هذا الضوء، يتبيّن أنّ القناعة والمفاهيم المشابهة ليست غير مانعة من التنمية فحسب، بل تعجّل في مسارها من خلال سوقها لإمكانات المجتمع وطاقاته صوب الاستثمار في الطاقة الإنسانية أو دفعها باتّجاه الاستثمار المباشر، وهذا ما يعجّل بوتيرة التنمية ويسارع بخطواتها.

۶. التكاثر والتنمية

يصل الكلام أخيرا إلى الحرص والتكاثر وما يرتبط بهما من مفاهيم كالربا وغيره؛ فحيث تترافق هذه الممارسات بالتعدّي على حقوق الآخرين فهي تدخل في عداد آفات التنمية المستديمة التي تنشدها الرؤية الكونية الإسلامية، وإن كانت تعدّ من مقدّمات التقدّم الاقتصادي من منظور الاقتصاد الرأسمالي.

لبلوغ التنمية المستقرّة يحرص الإسلام من جهة على تحشيد قوّة العمل وتنظيمها في الاتّجاه الذي يخدم تنمية الإنتاج الوطني وتقويته، كما يحرص من جهة اُخرى على تحريم كلّ ما يعدّ آفة مناهضة للتنمية المستديمة الشاملة، وإن كانت تجرّ إلى ازدهار الإنتاج الوطني على نحو مؤقّت.


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
312

الثانية: إنّ تفسير الزهد بالعزوف عن الدنيا والإحجام عن العمل والفعّاليات الاقتصادية، يعكس رؤية منحرفة وغير سليمة للمصطلح؛ فالمعنى الصحيح للزهد هو: عدم الرغبة في أيّ شيء يمكن أن يكون مانعا لتكامل الإنسان وبلوغه الكمال المطلق. والهدف منه في الدرجة الاُولى هو أخذ القليل في مقابل تقديم الكثير.

فالزاهد الحقيقي من جهة: هو من يبذل قصارى جهده في مضمار الإنتاج والعمل، ولا يدّخر من طاقته شيئا، وهو من جهة ثانية: مَن يعزف بسهولة عن الرغائب المادّية في مجال الاستهلاك وعندما تحين لحظة العطاء والاستثمار الشخصي، من خلال السلطة النفسية المكينة التي يتحلّى بها؛ الزاهد هو من يهب الكثير ويقنع بالقليل، وهو من يبذل للآخرين ما تناهت عسرته ومشقّته، ويرضى لنفسه بالنصيب الأقلّ.
أمّا الذروة لهذا النمط من الزهّاد والمثل الأعلى لهم فهو إمام الزاهدين أمير المؤمنين عليه‏السلام من خلال سيرته في العمل والإنتاج والاستهلاك.۱

۵. القناعة والتنمية

ذكروا أنّ من ضرورات التنمية حسّ طلب المزيد والجنوح إلى الاستهلاك الكثير، وهذا ما يتنافى مع مفاهيم كالقناعة والرضا ممّا جاء في نصوص مبادئ التنمية.

لمعالجة هذا الإشكال، من الضروري الالتفات إلى عدد من النقاط ـ مضافا لما سلفت إليه الإشارة في حديث الزهد ـ و هي:

الاُولى: لا يدخل المجال الاستعمالي لهذه المفاهيم في نطاق دائرة الإنتاج وخفض ساعات العمل؛ لأنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ الإنتاج لخدمة الآخرين ليس فقط

1.. انظر: موسوعة الإمام علي بن أبي طالب : ج ۹ ، ص ۳۴۳ ـ ۳۷۶ .

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5999
صفحه از 688
پرینت  ارسال به