وسكت ولم يكلّمهم ولا ردّ عليهم شيئاً.
قال: فتكلّم مسلم بن عمرو الباهلي وقال: إليكم عن الأمير يا ترابية! فليس هذا من تظنّون، هذا الأمير عبيد اللّه بن زياد.
قال: فتفرّق الناس عنه، ودخل عبيد اللّه بن زياد قصر الإمارة وقد امتلأ غيظاً وغضباً.
فلمّا أصبح نادى: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس إلى المسجد الأعظم، فلمّا علم أنّهم قد تكالموا خرج إليهم متقلّداً بسيف متعمّماً بعمامة، حتّى صعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
أما بعد؛ يا أهل الكوفة، فإنّ أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ولاّني مصركم وثغركم، وأمرني أن أغيث مظلومكم، وأن أعطي محرومكم، وأن أحسن إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدّة على مريبكم، وأنا متّبع في ذلك أمره، ومنفّذ فيكم عهده، والسلام. ثمّ نزل ودخل القصر.
فلمّا كان اليوم الثاني خرج إلى الناس ونادى بالصلاة جامعة، فلمّا اجتمع الناس خرج إليهم بزيّ خلاف ما خرج به أمس، فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعد؛ فإنّه لا يصلح هذا الأمر إلاّ في شدّة من غير عنف، ولين في غير ۵ / ۴۰
ضعف، وأن آخذ منكم البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، والوليّ بالوليّ.
قال: فقام إليه رجل من أهل الكوفة يقال له: أسد بن عبداللّه المري، فقال: أيّها الأمير، إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: «لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»۱ وإنّما المرء بجدّه، والسيف بحدّه، والفرس بشدّه، وعليك أن تقول وعلينا أن نسمع، فلا تقدّم فينا السيّئة قبل الحسنة.