375
مكاتيب الأئمّة

وذَكَرْتَ رَحِما عَطَفَتْكَ عليَّ ، فأقْسِمُ باللّه الأعَزِّ الأجلِّ ، أنْ لوَ نازَعَك هذا الأمْرَ في حَياتِك مَن أنْتَ تُمَهِّدُ لهُ بعْد وَفاتِك ؛ لَقَطَعْتَ حَبْلَهُ ، وأبَنْتَ أسْبابَهُ .
وأمَّا تَهْدِيدُكَ لِي بالمَشارِب الوبيئة ۱ ، والمَوارِد المُهْلِكة ، فأنَا عَبدُ اللّهِ علِيُّ بنُ أبي طالِبٍ ، أبْرِزْ إليَّ صَفْحَتَكَ ، كَلاَّ ورَبِّ البَيْت ؛ ما أنْتَ بأبِي عُذْرٍ عِنْد القِتال ، ولا عِنْدَ مُناطَحَةِ الأبْطالِ ، وكأنِّي بِكَ لَوْ شَهِدْتَ الحَرْبَ وقَدْ قامَتْ علَى سَاقٍ ، وكَشَّرَتْ عَن مَنْظَرٍ كَرِيهٍ ، والأَرواحُ تَخْتَطِفُ اخْتِطافَ البَازِيِّ زَغِبَ القَطا ، لَصِرْتَ كالمُوَلَّهَةِ الحَيْرانَةِ ، تَضْرِبُها العَبْرَةُ بالصَّدْمَةِ ، لا تَعْرِفُ أعْلَى الوادِي مِن أسْفَلِهِ .
فَدَعْ عَنْكَ ما لَسْتَ أهْلَهُ ، فإنَّ وَقْعَ الحُسَامِ غَيْرُ تَشْقِيقِ الكَلامِ ، فَكَم عَسْكَرٍ قَدْ شَهِدْتُهُ وقَرْنٍ نَازَلتُهُ ، . . . اصْطِكاكَ قُرَيْشٍ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، إذْ أنْتَ وأبُوكَ وهو . . . وأنْتَ اليَوْمَ تُهَدِّدُني .
فاُقْسِمُ باللّهِ ، أنْ لَو تُبْدِي الأيَّامُ عَن صَفْحَتِكَ ، لَنَشَب فِيْكَ مِخْلَبُ لَيْثٍ هَصُوُرٍ ، لا يَفُوتُهُ فَرِيسَةٌ بالمُراوَغَةِ ، كيفَ وأنَّى لَكَ بِذلِكَ ، وأنْتَ قَعِيدَةُ بِنْتِ البِكْرِ المُخَدَّرَة ، يَفْزَعُها صَوْتُ الرَّعْدِ ، وأنَا عليُّ بن أبِي طالِب ، الَّذِي لا أُهَدَّدُ بالقِتالِ ، ولا أُخَوَّفُ بالنِّزالِ ، فإن شِئْتَ يا مُعاوِيَةُ فابْرزْ ، والسَّلام » .
فلمَّا وَصَل هذا الجواب إلى معاوية بن أبي سُفْيَان ، جَمَع جماعة من أصحابه ، ومنهم عَمْرو بن العاص ، فَقَرَأه علَيْهم ، فقال لَه عمرو : قدْ أنْصَفك الرَّجل ،كم رجل أحسن في اللّه قدْ قتل بينكما ، ابْرُزْ إليْهِ .
فقال له : أبا عَبدِ اللّهِ أخطأتَ إستَكَ الحُفرَةَ ، أنَا أبْرز إليه ، مع علمي أنَّه ما برز إليه أحد قَطُّ إلاَّ وقتله ، لا واللّهِ ، ولكنِّي سأبْرِزُكَ إليهِ . ۲

1.في المصدر: « العربية » والتصويب من بحار الأنوار .

2.كنز الفوائد : ج ۲ ص ۴۲ ، بحار الأنوار : ج۳۳ ، ص۱۲۷ .


مكاتيب الأئمّة
374

سَلفت لَكَ ، لقد كان اخْتَطفتكَ بَعضُ عُقبانِ أهْلِ الشَّام ، فيصعد بك في الهَواء ، ثُمَّ قَذفك على دَكادِك شَوامِخ الأبصار ، فأُلفيتَ كسحيق الفِهر ، على صن الصَّلابَة لا يَجد الذَّرُّ فيْك مرتعا .
ولقد عزمت عزمةَ مَن لا يعطفه رقَّة الأنذار إن لم تباين ما قرَّبتَ بِه أملَك ، وطَالَ له طَلْيُكَ ، ولأُورِدنَّكَ موردا تسْتَمِرُّ النَّدامة ، إن فسخ لَك في الحَياة ، بَل أظُنُّك قَبل ذلِك من الهَالِكين ، وبِئْس الرَّأي رَأي يورد أهلَه إلى المَهالك ، ويمنِّيَهم العَطَب إلى حِينَ لاتَ مَناص .
وقد قذفَ بالحقِّ على الباطل ، وظَهر أمْر اللّه وهم كارِهون ، وللّهِ الحُجَّة البالِغة ، والمِنَّةُ الظَاهِرَةُ ، والسَّلام .
فلمَّا جاءَ كتابه إلى أمير المؤمنين وقَرأه ، أجابه بما لفظه :
« مِن عَبْدِ اللّهِ أميْرِ المُؤمِنينَ عليِّ بنِ أبي طَالبٍ ، إلى مُعاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَان .
أمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ أتَانَا كتابُك بِتَنْوِيقِ المَقالِ وضَرْبِ الأمْثالِ ، وانْتِحالِ الأعْمالِ ، تَصِفُ الحِكْمَةَ ولَسْتَ مِن أهْلِها ، وتَذْكُرُ التَّقْوَى وأنْتَ علَى ضِدِّها ، قَدْ اتَّبَعْتَ هَواكَ فَحادَ بِكَ عَن طَريقِ الحُجَّةِ ، وألْحَجَ ۱ بِكَ عن سَواء السَّبيل ، فأنْتَ تَسْحَبُ أذْيالَ لَذَّاتِ الفِتَنْ ، وتَخْبِطُ في زَهْرَة الدُّنْيا ، كأنَّك لَسْتَ تُوقِنُ بأوْبَة البَعْثِ ولا برَجْعَةِ المُنْقَلَبِ ، قَدْ عَقَدْتَ التَّاجَ ، ولَبِسْتَ الخَزَّ ، وافْتَرَشْتَ الدِّيباج ، سُنَّةً هِرَقْلِيَّةً ، ومُلْكا فارِسيَّا ، ثُمَّ لم يُقْنِعْك ذلِك ، حَتَّى يَبْلُغَنِي أنَّك تَعْقِدُ الأمْرَ مِن بَعْدك لِغَيْرِكَ ، فيهلِكُ دُونَك فتُحاسَبُ دُونَهُ ، ولَعَمْرِي لَئِن فَعَلْتَ ذلِك ، فمَا وَرِثْتَ الضَّلالَة عن كَلالةٍ ، وإنَّك لاَبْنُ مَن كانَ يَبْغِي علَى أهْلِ الدِّينِ ، ويَحْسُدُ المُسلمينَ .

1.اللَّحْجُ: الميل، وألْحَجُ: مُعْوَجٌ. ( لسان العرب: ج ۲ ص ۳۵۶ ).

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5862
صفحه از 568
پرینت  ارسال به