253
مكاتيب الأئمّة

عَبُوسا قَمطَرِيرا ، يوما كانَ شَرُّهُ مُستَطِيرا ، أما إنَّ شَرَّ ذلِكَ اليَومِ وفَزَعَهُ استَطارَ ، حَتَّى فَزِعَت مِنهُ المَلائِكَةُ الَّذِين لَيستْ لَهُم ذُنوُبٌ ، والسَّبعُ الشِّدادُ ، والجِبالُ الأوتادُ ، والأرضُونَ المِهادُ ، وانشقَّتِ السَّماءُ فهي يَومَئذٍ واهية ، وتغيَّرَتْ فكانَتْ وَرِدَةً كالدِّهانِ ، وكانَتِ الجِبالُ سَرابا بعدما كانَتْ صُمّا صِلابا ، يقول سبحانه : « وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَـوَ تِ وَ مَن فِى الْأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ » ۱ فَكيفَ بِمَنْ يَعصِيهِ بالسَّمعِ والبَصرِ واللِّسانِ واليَدِ والرِّجلِ والفرْجِ والبَطنِ ، إن لم يغفر اللّهُ ويرحَمُ .
واعلَمُوا عِبادَ اللّهِ أنَّ ما بَعدَ ذلِكَ اليَومِ أشدُّ وأدهى علَى مَنْ لَمْ يَغفِرِ اللّهُ لَهُ مِن ذلِكَ اليومِ ، فإنَّهُ يقضي ويَصيرُ إلى غيرِهِ ؛ إلى نارٍ قَعرُها بَعيدٌ ، وحَرُّها شَدِيدٌ ، وعذابُها جديدٌ ، وشَرابُها صَدِيدٌ ، ومقامِعُها حَدِيدٌ ، لا يَفتَرُ عَذابُها ، ولا يَموتُ ساكِنُها ، دارٌ لَيستْ للّهِ سُبحانَهُ فيها رَحمَةٌ ، ولا يُسمَعُ فيها دَعوَةٌ .
واعلَموا عِبادَ اللّهِ أنَّ مَعَ هذا رَحمَةَ اللّهِ الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيء لا تَعجَزُ عَنِ العِبادِ ، وجَنَّةً عَرضُها كَعَرضِ السَّماواتِ والأرضِ أُعِدَّتْ للمُتَّقينَ ، خيرٌ لا يَكونُ مَعَهُ شرٌّ أبدا ، وشهوَةٌ لا تَنفَدُ أبدا ، ولَذَّةٌ لا تفنى أبدا ، ومجمعٌ لا يتفرَّقُ أبدا ، قَومٌ قد جَاوَروا الرَّحمنَ ، وقامَ بَينَ أيديهِم الغِلمانُ ، بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ فيها الفاكِهَةُ والرَّيحانُ .
فقال رجل : يا رَسولَ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، إنِّي أُحِبُّ الخيلَ، أ في الجَنَّةِ خَيلٌ ؟ ـ قال : نَعَم ، والذي نَفسي بيدِهِ ، إنَّ فيها خيلاً من ياقوتٍ أحمَر عليها يَركَبُونَ ، فَتَدِفّ بِهِم خِلالَ وَرقِ الجَنَّةِ . قال رجل : يا رسولَ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، إنِّي يُعجِبُني الصَّوتُ الحسَنُ ؛ أ في الجَنَّةِ

1.الزمر : ۶۸ .


مكاتيب الأئمّة
252

واعظا ، وكان رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله كَثيرا ما يُوصِي أصحابَهُ بِذِكرِ المَوتِ فَيَقولُ : أكثِروا ذِكرَ المَوتِ فَإنَّهُ هادِمُ اللَّذَّاتِ ، حَائِلٌ بَينَكُم وبَينَ الشَّهواتِ .
واعلمُوا عِبادَ اللّهِ ، أنَّ ما بَعدَ المَوتِ أشدُّ مِنَ المَوتِ لِمَن لَم يَغفِرِ اللّهُ لَهُ ويَرحَمُهُ ، واحذَرُوا القَبرَ وضَمَّتَهُ وضِيقَهُ وظُلْمَتَهُ وغُربَتَهُ ، فإنَّ القبرَ يَتكَلَّمُ كُلَّ يومٍ ، ويَقولُ : أنا بيتُ التُّرابِ ، وأنا بَيتُ الغُربَةِ ، وأنا بَيتُ الدُّودِ ، والهَوامِّ ، والقَبر رَوضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ ، أو حُفرَةٌ مِن حُفَرِ النَّارِ ، إنَّ المُسلِمَ إذا دُفِنَ قالَت لَهُ الأرضُ : مَرحَبا وأهلاً ، قَد كُنتَ مِمَّنْ أُحِبُّ أن يَمشِي علَى ظَهرِي ، فَإذا وَلِيتُكَ فَسَتَعلَمُ كَيفَ صُنعِي بِكَ ؛ فَيتَّسِعَ لَهُ مدَّ البَصَرِ ، وإذا دُفِنَ الكَافِرُ قالَت لَهُ الأرضُ : لا مَرحَبا ولا أهلاً ، قَد كُنتَ مِمَّنْ أُبغِضُ أن يَمشِي علَى ظَهرِي ، فإذا وَلِيتُكَ فَسَتَعلَمُ كيفَ صُنعِي بِكَ ؛ فَتَنضَمُّ عليهِ حَتَّى تَلتَقِي أضلاعُهُ ، واعلَمُوا أنّ المَعِيشَة الضَّنْكَ الَّتي قال اللّه تعالى : « فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا » ۱ هِيَ عذابُ القَبرِ ، وإنَّهُ لَيُسلّطُ علَى الكافِرِ في قبرِهِ تِسعَة وتسعين تِنّينا تَنهَشُ لَحمَهُ حَتَّى يُبعَثَ ، لو أنَّ تِنّينا مِنها نَفَخَ في الأرضِ ما أنبتَتْ رِيعَها أبدا .
واعلموا عِبادَ اللّهِ أنَّ أنفُسَكُم وأجسادَكُم الرَّقيقَةَ النَّاعِمَةَ الَّتي يَكفيها اليسيرُ مِنَ العِقابِ ضَعِيفَةٌ عَنْ هذا ؛ فإنِ استطَعتُم أن تَرحَمُوا أنفُسَكُم وأجسادَكُم مِمّا لا طاقَةَ لَكُم بِهِ ولا صَبْرَ لَكُم علَيهِ ، فَتَعمَلُوا بِما أحبَّ اللّهُ سُبحانَهُ ، وتَترُكُوا ما كَرِهَ ؛ فافعَلُوا ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللّهِ .
واعلَمُوا عِبادَ اللّهِ أنَّ ما بَعدَ القَبرِ أشدُّ مِنَ القَبرِ ، يَومٌ يَشِيبُ فيهِ الصَّغِيرُ ، ويَسكَرُ فيهِ الكَبِيرُ ، ويَسقُطُ فِيهِ الجَنِينُ ، وتَذهَلُ كُلُّ مُرضِعَةٍ عَمّا أرضَعَتْ ، واحذَرُوا يَوما

1.طه : ۱۲۴ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5973
صفحه از 568
پرینت  ارسال به