147
مكاتيب الأئمّة

فقال ابن الكَوَّاء : لولا أنَّك عزمت علينا، ما قلنا ، لأنَّك جبَّارٌ عنيد ، لا تراقب اللّه في قتل الأخيار ، ولكنَّا نقول : إنَّك ما علمنا واسِعُ الدُّنيا ، ضيِّق الآخرة ، قريب الثّرى ، بعيد المَرْعَى ، تجعلُ الظُّلماتِ نورا ، والنُّورَ ظُلُماتٍ ، فقال معاوية : إنَّ اللّه أكرم هذا الأمر بأهل الشَّام الذَّابِّينَ عن بَيْضته ، التَّاركين لمحارمه ، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق . . . .
ثُمَّ تكلَّم صَعْصَعَة فقال : تكلَّمتَ يا بنَ أبي سُفْيَانَ فأبلَغتَ، ولم تَقصُر عمَّا أردتَ ، وليس الأمرُ على ما ذكرت ، أنَّى يكونُ الخليفةُ مَن مَلَكَ النَّاسَ قهرا ، ودَانَهم كِبرا ، واستولى بأسبابِ الباطلِ كَذِبا ومَكرا ؟ أما واللّهِ ، مالَكَ في يَومِ بَدرٍ مضرب ولا مَرمى ، ومَا كُنتَ فيه إلاّ كما قال القائل : « لا حلِّي ولا سيري » ، ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنَّفير ممَّن أجْلَبَ على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وإنَّما أنتَ طليقٌ ابن طَلِيقٍ ، أطلقكما رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، فأنَّى تَصلُحُ الخِلافَةُ لِطَليقٍ ؟
فقال معاوية : لولا أنّي أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول :

قابَلتُ جَهلَهُمُ حِلما ومَغفِرَةًوالعفو عَن قُدرَةٍ ضَرْبٌ مِنَ الكَرَمِ ۱
قال الأحمدي عفى اللّه عنه : ولِصَعْصَعَةَ مَواقفُ ساعية مع معاوية في خلافة عثمان ، حينما نُفي إلى الشَّام ، وفي خلافة عليّ عليه السلام حينما أرسله مع الكتاب للاحتجاج، أو أرسله في صفِّين حين منع معاوية الماء ، وبعد شهادة أمير المؤمنين ، بعد دخول عليه السلام معاوية الكوفة ، وحينما قَدِمَ وفْدُ العِراق إلى الشَّام ۲ .

1.مروج الذَّهب : ج۳ ص۵۰ ؛ الغدير : ج۱۰ ص۱۷۵ .

2.راجع : الأمالي للطوسي : ص۵ ح۴ ، رجال الكشّي :ج۱ ص۶۹ ، الغارات : ج۲ ص۸۸۸ ( التعليقة ۶۰ ) ، الاختصاص : ص۶۴ ـ ۶۵ ، وقعة صفين : ص۱۶۰ ـ ۱۶۱ ، الغدير :ج۱۰ص۴۸ ـ ۲۴۷ ـ ۲۴۸ ، أعيان الشيعة : ج۷ ص ۳۸۸ ، قاموس الرجال : ج۵ ص۴۹۴ ، بحار الأنوار : ج۴۴ ص۱۲۳ ح ۱۴ وص۱۳۲ ح ۲۱ وج ۳۳ ص۲۴۴ ح ۵۲۱ ؛ مروج الذَّهب : ج۳ ص۵۱ ـ ۵۲ ، تاريخ الطبري : ج۴ ص۵۷۱ ـ ۵۷۲ ، الإصابة : ج۳ ص۳۷۳ ، البيان والتبيين : ج۱ ص۱۳۳ وج۲ ص۱۸۱ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۲ ص۱۳۰ ـ ۱۳۲ وج۳ ص۳۱۸ ـ ۳۱۹ .


مكاتيب الأئمّة
146

خلقه اللّه بيده ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له ، فكان فيهم البَرُّ والفاجر، والكيِّس والأحمق .
قال : ومن المجالس الَّتي دارت بينهم ، أنَّ معاوية قال لهم : أيُّها القوم ردّوا خيرا ، واسكنوا ، وتفكّروا ، وانظروا فيما ينفعكم والمسلمين ، فاطلبوه وأطيعوني .
فقال له صَعْصَعَة : لست بأهل لذلك ، ولا كرامة لك أن تطاع في معصية اللّه .
فقال : إنَّ أوَّل كلام ابتدأت به أن أمرتكم بتقوى اللّه ، وطاعة رسوله ، وأن تعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرَّقوا .
فقال صَعْصَعَة : بل أمرت بالفرقة ، وخلاف ما جاء به النَّبيّ صلى الله عليه و آله .
فقال : إن كنتُ فعلتُ فإنِّي الآن أتوب، وآمركم بتقوى اللّه ، وطاعته ، ولزوم الجماعة ، وأن توقّروا أئمَّتكم ، وتطيعوهم .
فقال صَعْصَعَة : إذا كنت تبت، فإنَّا نأمرك أن تعتزل أمرك ؛ فإنَّ في المسلمين من هو أحقُّ به منك، ممَّن كان أبوه أحسن أثرا في الإسلام من أبيك ، وهو أحسن قَدما في الإسلام منك .
فقال معاوية : إنَّ لي في الإسلام لقدما ، وإن كان غيري أحسن قدما منِّي ، لكنَّه ليس في زماني أحدٌ أقوى على ما أنا فيه منِّي ، ولقد رأى ذلك عمر بن الخَطَّاب ، فلو كان غيري أقوى منِّي، لم يكن عند عمر هوادة لي ولغيري . . . ۱ .
[ وعندما ] حبس معاوية صَعْصَعَة بن صُوحان العبدي ، وعبد اللّه بن الكَوَّاء اليَشكُري ، ورجالاً من أصحاب عليّ ، مع رجال من قريش . فدخل عليهم معاوية يوما ، فقال : نَشَدتُكُم باللّهِ إلاّ ما قلتم حقَّا وصدقا ، أيَّ الخلفاء رأيتموني ؟

1.الغدير : ج۹ ص۳۰ ـ ۳۵ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6039
صفحه از 568
پرینت  ارسال به