145
مكاتيب الأئمّة

فقال الأشْتَر : أتجعلُ مَراكِزَ رِماحِنا، وما أفاء اللّه علينا، بستانا لك ولقومك ؟ واللّه ، لو رامه أحدٌ لقُرع قرعا يتصأصأ ۱ منه . ووثب بابن خنيس فأخذته الأيدي .
فكتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان ، وقال : إنِّي لا أملك من الكوفة مع الأشْتَر وأصحابه . . . فكتب إليه ( عثمان ) أن : سيِّرهم إلى الشَّام . . . فسيَّر سعيد الأشْتَر ، ومن كان وثب مع الأشْتَر ، وهم : زَيْد وصَعْصَعَة ابنا صُوحان . . . ( فنزلوا دمشق ) فبرَّهم معاوية وأكرمهم ، ثُمَّ إنَّه جرى بينه وبين الأشْتَر قولٌ، حَتَّى تغالظا فحبسه معاوية . . .
فقال لهم معاوية : إنَّكم قومٌ من العرب ، ذووا أسنان وألسنة ، وقد أدركتم بالإسلام شرفا . . . وقد بلغني أنَّكم ذممتم قريشا ، ونقمتم على الولاة فيها ، ولولا قريش لكنتم أذلَّة ، إنَّ أئمَّتكم لكم جُنَّة، فلا تفرَّقوا عن جُنَّتكم . . . .
فقال له صَعْصَعَة بن صُوحان : أمَّا قريش ، فإنَّها لم تكن أكثر العرب ، ولا أمنعها في الجاهليَّة ، وإنَّ غيرها من العرب لأكثر منها وأمنع .
فقال معاوية : إنَّك لخطيب القوم ، ولا أرى لك عقلاً ، وقد عرفتكم الآن ، وعلمت أنَّ الَّذي أغراكم قلّة العقول . . . .
وروى الحسن المَدائِني : أنَّه كان لهم مع معاوية بالشام مجالس طالت فيها المحاورات والمخاطبات بينهم ، وإنَّ معاوية قال لهم في جملة ما قاله : إنَّ قريشا قد عرفت أنَّ أبا سُفْيَان أكرمها ، وابن أكرمها، إلاّ ما جعل اللّه لنبيِّه صلى الله عليه و آله ، فإنَّه انتجبه ، وأكرمه ، ولو أنَّ أبا سُفْيَان ولد النَّاس كلّهم لكانوا حلماء .
فقال له صَعْصَعَة بن صُوحان : كذبت، وقد وَلدهم خيرٌ من أبي سُفْيَان ، من

1.الصَّأْصَأُ: الفزع الشديد. (لسان العرب: ج ۱ ص ۱۰۷).


مكاتيب الأئمّة
144

عليّ عليه السلام يثني عليه بالمهارة وفصاحة اللّسان ، وكان صَعْصَعَة من أفصح النَّاس ۱ .
حضر صَعْصَعَة مجلس عمر بن الخَطَّاب ، وهو يشاور أصحابه في مال أرسله أبو موسى ، وكان ألف ألف درهم، فقسَّمه وفَضُل منه فضلة، ماذا يصنع به ؟ فقام صَعْصَعَة ـ وهو غلام شابّ ـ فقال : يا أمير المؤمنين، إنَّما تُشاوِرُ النَّاسَ فيما لَم ينزل فِيهِ قرآن ، فأمَّا ما نزلَ بِهِ القُرآن ، فضعْه مواضعه الَّتي وضعه اللّه ـ عز و جل ـ فيها . فقال : صدقت ۲ .
وفي الغدير للأميني : لمَّا عزل عثمان الوليد بن عُقْبَة عن الكوفة ، ولاّها سعيد بن العاص ، وأمره بمداراة أهلها ، فكان يجالس قرّاءها ، ووجوه أهلها ، ويسامرهم، فيجتمع عنده منهم : مالك بن الحارث الأشْتَر النَّخَعيّ ، وزَيد وصَعْصَعَة ابنا صُوحان العبديّان . . . فإنَّهم لَعِندَهُ وقد صلّوا العصر، إذ تذاكروا السَّواد والجبل ، ففضّلوا السَّواد ، وقالوا : هو ينبت ما ينبت الجبل وله هذا النَّخل ، وكان حَسَّان بن مَحْدُوج الذُّهْلِيّ ، الَّذي ابتدأ الكلام في ذلك ، فقال عبد الرَّحمن بن خُنيس الأسدي ـ صاحب شرطة ـ : لوددت أنَّهُ للأمير ، وإنَّ لكم أفضل منه . فقال له الأشْتَر : تمنَّ للأمير أفضل منه ، ولا تمنَّ له أموالنا .
فقال عبد الرَّحمن : ما يضرّك من تمنّى حَتَّى تزوي ما بين عينيك ، فواللّهِ ، لو شاء كان له . فقال الأشْتَر : واللّه ، لو رام ذلك ما قدر عليه . فغضب سعيد ، وقال : إنَّما السَّواد بستان لقريش .

1.راجع : الغارات : ج۲ ص۸۹۰ ـ ۸۹۱ ( التعليقة ۵۲۴ ) ؛ سفينة البحار : ج۵ ص۱۰۷ .

2.أسد الغابة : ج۳ ص۲۱ الرقم ۲۵۰۵ ، الاستيعاب : ج۲ ص۲۷۳ ، تهذيب التهذيب : ج۲ ص۵۴۶ ، الطبقات الكبرى : ج۶ ص ۲۲۱ ، تهذيب الكمال : ج۱۳ ص۱۶۹ ؛ تنقيح المقال : ج۲ ص۹۹ ، قاموس الرجال : ج۵ ص۴۹۵ ، الغدير :ص۹ ص ۶۹ ـ ۷۰ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6053
صفحه از 568
پرینت  ارسال به