107
مكاتيب الأئمّة

واللّهِ ، لوْ كنْتِ شَخْصا مَرئِيا ، وقالَبا حِسِيَّا ، لأقَمْتُ علَيْكِ حُدُودَ اللّهِ في عِبادٍ غَرَرْتِهِم بالأمانيّ ، وأُمَمٍ ألْقَيْتِهم في المَهاوي ، ومُلُوكٍ أسْلَمْتِهِم إلى التَّلَفِ ، وأوْرَدْتِهِم موَارِدَ البَلاءِ؛ إذْ لا وِرْدَ ولا صَدَرَ. هَيْهات، مَن وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ ، ومَن رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ ، ومَن ازْوَرَّ عَن حِبائِلِكِ وُفِّقَ ، والسَّالمُ مِنْكِ لا يُبالي إنْ ضَاقَ به مُنَاخُه ، والدُّنيا عندَه كيَوْمٍ حانَ انْسِلاخُهُ .
اغربي عَنِّي، فو اللّه لا أذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّيني ، ولا أسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِيني ، وأيْمُ اللّهِ ـ يَمِينا أسْتَثْنِي فيها بمَشِيئة اللّهِ ـ لأرُوْضَنَّ نَفْسِي رِياضَةً تَهُشُّ مَعَها إلى القُرْص إِذا قَدَرَت علَيْهِ مَطْعُوما ، وتَقْنَعُ بالمِلْحِ مأدُوما ، ولأدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ ماءٍ نَضَبَ مَعِينُها، مُسْتَفْرَغَةً دُموعُها ، أتَمْتَلِى ءُ السَّائِمَةُ من رَعْيِها فَتَبْرُك، وتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ من عُشْبِها فَتَرْبِضُ ، ويأكُلُ عَلِيٌّ من زَادِهِ فَيَهْجَعُ ؟ قَرَّت إذا عَيْنُهُ ، إذا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنينَ المتَطاوِلَةِ بالْبَهِيمَةِ الهامِلَةِ ، والسَّائِمَةِ المَرْعِيَّةِ !
طوبَى لِنَفْسٍ أدَّتْ إلى ربِّها فَرْضَها ، وعَرَكَتْ بجَنْبِها بُؤسَها ، وهَجَرَتْ في اللَّيْلِ غُمْضَها ، حَتَّى إذا غَلَبَ الكَرَى عليْها افْتَرَشَتْ أرْضَها ، وتَوَسَّدَتْ كَفَّها، في مَعْشَرٍ أسْهَرَ عيُونَهُم خَوْفُ مَعادِهم ، وتَجافَتْ عَن مضاجِعِهِم جنُوبُهم ، وهَمْهَمَتْ بِذكْرِ ربِّهِم شِفاهُهُم ، وتَقَشَّعَت بِطُولِ اسْتْغْفارِهِم ذُنُوبُهُم « أُولَـئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » ۱ .
فاتَّقِ اللّهَ يا بنَ حُنَيْفٍ ، ولتكفف أقْراصُك، لِيَكونَ مِنَ النَّارِ خَلاصُكَ » . ۲

1.المجادلة :۲۲ .

2.نهج البلاغة : الكتاب۴۵ وراجع : الخرائج والجرائح : ص۳۴۲ ، المناقب لابن شهرآشوب : ج۲ ص۱۰۱ ، بحار الأنوار : ج۴۰ ص۳۱۸ وج۷۵ ص۴۴۸ ، جمهرة رسائل العرب : ج۱ ص۳۲۸ .


مكاتيب الأئمّة
106

لَهُ بالشّبَعِ ، أوْ أبيتَ مِبْطانا ، وحَوْلي بُطُونٌ غَرْثى وأكْبَادٌ حَرّى ، أوْ أكونَ كَما قالَ القائِلُ :

وحَسْبُكَ داءً أنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍوحَوْلَكَ أكبَادٌ تَحِنُّ إلى القِدِّ
أأقْنَعُ مِن نَفسِي بأنْ يقالَ هذا أميرُ المُؤمِنينَ ، ولا أُشْارِكُهم في مكارِه الدَّهرِ ، أوْ أكونُ أُسْوَةً لَهُم في جُشُوبَةِ العَيْشِ فمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أكْلُ الطَّيِّباتِ كالْبَهِيمَةِ المَرْبُوطَةِ هَمُّها عَلَفُها ، أو المُرْسَلَةِ شُغْلُها تَقَمّمُها، تَكْتَرِشُ من أعْلاَفها ، وتَلْهو عمَّا يُرادُ بِها ، أوْ أُتْرَكَ سُدىً وأُهْمَلَ عابِثا ، أوْ أجُرَّ حَبْلَ الضَّلالَةِ ، أوْ أعْتَسِفَ طَرِيقَ المَتاهَةِ .
وكأنِّي بقائِلِكُم يقولُ : إذا كان هذا قُوتُ ابن أبي طالِبٍ ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عن قِتالِ الأقْرانِ ، ومُنازَلَةِ الشّجْعَانِ .
ألا وإنَّ الشَّجَرَةَ البَرِّيَةَ أصْلَبُ عُوْدَا ، والرَّواتِعَ الخَضِرَةَ أرَقُّ جُلُودا ، والنَّابتاتِ العَذيَّةَ أقْوى وُقُودا وأبْطَأُ خُمُودا ، وأنَا من رسُولِ اللّهِ كالصِّنْوِ مِنَ الصِّنْوِ ، والذِّرَاعِ من العَضُدِ .
واللّهِ ، لو تظاهَرَتِ العَرَبُ على قِتالي لَما وَلَّيْتُ عنها ، ولوْ أمْكَنَتِ الفُرَصُ مِن رِقابِها لَسارَعْتُ إليْها ، وسَأجْهَدُ في أنْ أُطَهِّر الأرضَ مِن هذا الشَّخصِ المَعْكُوسِ ، والجِسْمِ المَرْكُوسِ، حَتَّى تخْرُجَ المَدَرَةُ من بيْنِ حَبِّ الحَصِيدِ .
إليْكِ عَنِّي يا دُنْيا، فَحَبْلُكِ علَى غارِبِكِ قَدْ انْسَلَلْتُ مِن مَخالِبِكِ ، وأفْلَتُّ من حَبائِلِكِ ، واجْتَنَبْتُ الذَّهابَ في مَدَاحِضِكِ ، أيْنَ القوْمُ الَّذينَ غَرَرْتِهِم بمَداعِبِك ، أيْنَ الأمَمُ الَّذينَ فَتَنْتِهِم بِزَخارِفِكِ ؟ ! فهاهُم رَهائِنُ القُبُورِ ، ومَضامِينُ اللُّحُودِ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5839
صفحه از 568
پرینت  ارسال به