161
مكاتيب الأئمّة

وتاللّهِ ما صَدَرَ قَوْمٌ قطُّ عَن مَعصِيةِ اللّهِ إلاّ إلى عَذابِهِ ، وَ ما آثر قَومٌ قطُّ الدُّنيا على الآخِرةِ إلاّ سَاءَ مُنقلَبُهُم ، وَساءَ مَصيرُهُم ، وما العِلمُ باللّهِ والعَمَلُ إلاّ إلْفانِ مُوْتَلِفانِ ، فمَن عرَفَ اللّهَ خافَهُ وحثَّهُ الخَوفُ على العَمَلِ بِطاعَةِ اللّه ، وإنَّ أربابَ العِلمِ وأتباعَهُم ، الَّذينَ عَرَفوا اللّهَ فَعَمِلوا لَهُ ورَغِبوا إليهِ ، وَقَد قالَ اللّهُ : «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ » ۱ .
فلا تَلتَمِسوا شَيئاً مِمَّا في هذه الدُّنيا بِمعصِيَةِ اللّهِ ، واشتغِلوا في هذهِ الدُّنيا بِطاعَةِ اللّهِ ، واغتنِموا أيَّامَها ، واسعَوا لما فيهِ نَجاتُكُم غَداً مِن عَذابِ اللّهِ ، فإنَّ ذلك أقلُّ لِلتَّبِعَةِ ، وأدنى مِنَ العُذرِ ، وأرجى لِلنَّجاةِ ، فقَدِّموا أمرَ اللّهِ ، وطاعَةَ مَن أوجَبَ اللّهُ طاعَتَهُ بَينَ يَدَي الاُمورِ كُلِّها ، ولا تُقدِّموا الاُمورَ الوارِدَةَ عَلَيكُم مِن طاعَةِ الطَّوَاغيتِ مِن زَهرَة الدُّنيا بين يَدَي اللّهِ وطاعَتِهِ ، وطاعَةِ أُولي الأمرِ مِنكُم ، واعلَموا أنَّكُم عَبِيدُ اللّهِ ونَحنُ مَعَكُم يَحكُمُ عَلَينا و عَلَيكُم ، سَيِّدٌ حَاكِمٌ غَداً وهُوَ مُوقِفُكُم ومُسائِلُكُم ؛ فأعِدُّوا الجَوابَ قَبلَ الوقوفِ والمُساءَلَةِ والعَرضِ على رَبِّ العالَمينَ ، يَومَئِذٍ لا تَكَلَّمُ نفسٌ إلاّ بإذنِه .
واعلَموا أنَّ اللّهَ لا يُصَدِّقُ يَومئذٍ كاذِباً ، ولا يُكَذِّبُ صادِقاً ، ولا يَرُدُّ عُذرَ مُستَحِقٍّ ، ولا يَعذِرُ غيرَ مَعذورٍ ، لهُ الحُجَّةُ على خَلقِهِ بالرُّسُلِ ، والأوصِياءِ بَعدَ الرُّسُلِ .
فاتَّقوا اللّهَ عبادَ اللّهِ ، واستَقْبِلوا في إصلاحِ أنفُسِكُم ، وطاعَةِ اللّهِ ، وطاعَةِ مَن تَولَّونَهُ فيها ، لعلّ نادِماً ، قَد نَدِمَ فيما فرَّطَ بالأمسِ في جَنبِ اللّهِ ، وضَيَّع من حُقوقِ اللّهِ ، واستغفِروا اللّهَ ، و توبوا إليهِ ، فإنَّهُ يَقبَلُ التَّوبةَ ، ويَعفو عَنِ السَّيِّئةِ ، ويَعلمُ ما تَفعَلونَ .
وإيَّاكم وصُحبَةَ العاصينَ ، ومَعونَةَ الظَّالِمينَ ، ومُجاوَرَةَ الفاسِقينَ ، احذَروا فِتْنتَهُم ، وتَباعَدوا من ساحَتِهِم ، واعلَموا أنَّهُ مَن خَالَفَ أولِياءَ اللّهِ ودَانَ بِغَيرِ دِينِ اللّهِ ،

1.فاطر : ۲۸ .


مكاتيب الأئمّة
160

أيُّها المُؤمنونَ لا يَفتِنَنَّكمُ الطَّواغيتُ ، وأتباعُهُم مِن أهلِ الرَّغبَةِ في هذه الدُّنيا ، المائِلونَ إليها ، المُفْتَتِنونَ بها المُقبِلونَ عليها وعلى حُطامِها الهامدِ ، وهَشيمِها البائِدِ غداً ، و احْذَروا ما حَذَّركُمُ اللّهُ مِنها ، وازْهدوا فيما زهَّدكم اللّهُ فيهِ مِنها ، ولا تَرْكَنوا إلى ما في هذه الدُّنيا رُكُونَ مَنِ اتَّخَذَها دارَ قَرارٍ ومَنزِلَ اسْتِيطانٍ .
واللّهِ إنَّ لكُم ممَّا فيها عَلَيها لدَليلاً وتَنْبِيهاً ، مِن تَصريفِ أيَّامِها وتَغيُّرِ انْقِلابِها ومَثُلاتِها و تَلاعُبِها بأهلها ، إنَّها لَتَرْفَعُ الخَمِيلَ ، وتَضَعُ الشَّريفَ ، وتُورِدُ أقواماً إلى النَّار غداً ؛ ففي هذا مُعْتَبَرٌ ، ومُخْتَبَرٌ ، وزاجِرٌ لِمُنتبِهٍ ، إنَّ الأمورَ الوارِدَةَ عَلَيكُم في كُلّ يومٍ ولَيلَةٍ مِن مُظلِماتِ الفِتَنِ ، وحَوادِثِ البِدَعِ ، وسُنَنِ الجَوْرِ ، وبَوائِقِ الزَّمانِ ، وهَيْبةِ السُّلطانِ ، ووسْوسَةِ الشَّيطانِ ، لَتُثبِّطُ القلوبَ عن تنبُّهِها ، وتذْهِلُها عن موجودِ الهُدَى ، ومعرفَةِ أهلِ الحَقّ إلاّ قليلاً مِمَّنْ عَصَمَ اللّهُ ، فَلَيسَ يعرِفُ تصَرُّفَ أيَّامِها ، وتَقَلُّبَ حالاتِها ، وعاقِبةَ ضرَرِ فتْنتِها إلاّ مَن عَصَمَ اللّهُ ، ونَهَجَ سبيلَ الرُّشدِ ، وسَلكَ طَريقَ القَصدِ ؛ ثُمَّ اسْتعانَ على ذلك بالزُّهدِ ، فكرَّرَ الفكرَ ، واتَّعظَ بالصَّبرِ ، فازْدَجر ، وزهِدَ في عاجِلِ بَهْجةِ الدُّنيا وتجافى عَن لذَّاتِها ، ورَغِبَ في دائِمِ نَعيمِ الآخِرةِ ، وسَعى لها سَعْيَها وراقَبَ المَوتَ ، وشَنأ الحَياةَ معَ القَوْمِ الظَّالِمينَ . نظَر إلى ما في الدُّنيا بعَيْنٍ نَيِّرةٍ حَديدَةِ البَصَرِ ، وأبْصَرَ حَوادِثَ الفِتَن ، وضلالَ البِدَعِ ، وجَوْرَ المُلوكِ الظَّلَمَةِ .
فَلقَد لَعَمري استَدبرتُمُ الاُمورَ الماضِيَةَ في الأيَّامِ الخالِيَةِ مِنَ الفِتَنِ المُترَاكِمَةِ ، والاِنهِماكِ فيما تَسْتَدلُّونَ بِهِ على تَجنُّبِ الغُواةِ وأهلِ البِدَعِ والبَغيِ والفَسادِ في الأرضِ بِغَيرِ الحَقِّ ، فاسْتعينوا باللّهِ ، وارجِعوا إلى طاعَةِ اللّهِ ، وطاعَةِ مَن هُوَ أولى بِالطَّاعَةِ مِمَّن اتُّبِعَ فأُطيعُ .
فالحَذَرَ الحَذَرَ مِن قَبلِ النَّدامَةِ والحَسرَةِ ، والقُدومِ عَلى اللّهِ ، والوُقوفِ بَينَ يَدَيهِ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2289
صفحه از 340
پرینت  ارسال به