179
موسوعة الامام الحسین علیه السّلام فی الکتاب و السّنّة و التّاریخ (المقاتل)

مثل الذي نزل بك لم يبكِ .

قال : إنّي واللَّه ما لنفسي بكيت ، ولا لها من القتل أرثي ، وإن كنت لم اُحبّ لها طرفة عين تلفاً ، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليَّ ، أبكي للحسين عليه السلام وآل الحسين!
ثمّ أقبل على محمّد بن الأشعث فقال : يا عبداللَّه ، إنّي أراك واللَّه ستعجز عن أماني ، فهل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني أن يبلغ حسيناً؟ فإنّي لا أراه إلّا قد خرج إليكم اليوم مقبلاً أو هو خارجٌ غداً وأهل بيته ، ويقول له : إنّ ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي القوم ، لا يرى أنّه يمسي حتّى يُقتل ، وهو يقول : ۱ارجع فداك أبي واُمّي بأهل بيتك ولا يغرّك أهل الكوفة ، فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ، إنّ أهل الكوفة قد كذّبوك وليس لمكذوب رأي .

فقال ابن الأشعث : واللَّه ، لأفعلنَّ ولأعلمنَّ ابن زياد أنّي قد آمنتك .
وأقبل ابن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر ، فاستأذن فأذن له ، فدخل على ابن زياد ، فأخبره خبر ابن عقيل وضرب بكر إيّاه ، وما كان من أمانه له ، فقال له عبيد اللَّه : وما أنت والأمان؟! كأنّا أرسلناك لتؤمنه؟! إنّما أرسلناك‏لتأتينا به ، فسكت ابن الأشعث .

وانتهي بابن عقيل إلى باب القصر وقد اشتدّ به العطش ، وعلى باب القصر ناس جلوس ينتظرون الإذن ، فيهم عمارة بن عقبة بن أبي معيط ، وعمرو بن حريث ، ومسلم بن عمرو ، وكثير بن شهاب ، وإذا قلّة باردة موضوعة على الباب ، فقال مسلم : أسقوني من هذا الماء ، فقال له مسلم بن عمرو : أتراها؟ ما أبردها! لا واللَّه ، لا تذوق منها قطرة أبداً حتّى تذوق الحميمَ في نار جهنّم .

فقال له ابن عقيل رضى اللَّه عنه : ويلك من أنت؟ قال : أنا من عرف الحقّ إذ أنكرته ، ونصح لإمامه إذ غششته ، وأطاعه إذ خالفته ، أنا مسلم بن عمرو الباهلي .
فقال له مسلم بن عقيل : لاُمّك الثكل ، ما أجفاك وأفظّك وأقسى قلبك! أنت يا ابن

1.۲ / ۶۰


موسوعة الامام الحسین علیه السّلام فی الکتاب و السّنّة و التّاریخ (المقاتل)
178

عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك ، فاختلف هو وبكر بن حمران الأحمري ، فضرب فَمَ مسلم فشقّ شفته العليا وأسرع السيف في السفلى ، ونصلت‏۱ له ثنيتاه ، وضربه مسلم في رأسه ضربة منكرة وثنّاه باُخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه ، فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت ، فأخذوا يرمونه بالحجارة ، ويلهبون النار في أطنان القصب ، ثمّ يلقونها عليه من فوق البيت ، فلمّا رأى ذلك خرج عليهم مصلتاً بسيفه في السكّة ، فقال له محمّد بن الأشعث : لك الأمان ، لا تقتل نفسك ، وهو يقاتلهم ويقول :

أَقسَمتُ لا اُقتل إلّا حرّاإنّي رأيتُ الموتَ شيئاً نكرا
ويجعل البارد سخناً مرّاردّ شعاع الشمس فاستقرّا
كلّ امرئ يوماً ملاقٍ شرّاأخاف أن اُكذب أو اُغرّا
فقال له محمّد بن الأشعث : إنّك لا تكذّب ولا تغرّ ، فلا تجزع ، إنّ القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضائريك . وكان قد اُثخن بالحجارة ۲وعجز عن القتال ، فانبهر وأسند ظهره إلى جنب تلك الدار ، فأعاد ابن الأشعث عليه القول : لك الأمان .

فقال : آمن أنا؟ قال : نعم . فقال للقوم الذين معه : لي الأمان؟ فقال القوم له : نعم ، إلّا عبيد اللَّه بن العبّاس السلمي فإنّه قال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل ، وتنحّى .

فقال مسلم : أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم . واُتي ببغلة فحمل عليها ، واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه ، فكأنّه عند ذلك أيس من نفسه ودمعت عيناه ، ثمّ قال : هذا أوّل الغدر ، قال له محمّد بن الأشعث : أرجو ألّا يكون عليك بأس .

فقال : وما هو إلّا الرجاء ، أين أمانكم؟ إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون! وبكى .
فقال له عبيد اللَّه بن العبّاس السلمي : إنّ مَن يطلب مثل الذي تطلب ، إذا نزل به

1.نصلت : أي سقطت وزالت (اُنظر : الصحاح : ج ۵ ص ۱۸۳۰ (نصل)» .

2.۲ / ۵۹

  • نام منبع :
    موسوعة الامام الحسین علیه السّلام فی الکتاب و السّنّة و التّاریخ (المقاتل)
    سایر پدیدآورندگان :
    سيد محمود الطباطبائي نژاد، السيّد روح الله السيّد طبائي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/08/1393
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6374
صفحه از 512
پرینت  ارسال به