ولا تَعَجَّلوا الشرّ ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل ، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت ، وقد أعطى اللَّهَ الأميرُ عهداً : لئن تَمَّمتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذرّيّتكم العطاء ، ويفرّق مقاتلتكم في مغازي الشام ، وأن يأخذ البريء بالسقيم والشاهد بالغائب ، حتّى لا ۱تبقى له بقيّة من أهل المعصية إلّا أذاقها وبال ما جنت أيديها .
وتكلّم الأشراف بنحو من ذلك .
فلمّا سمع الناس مقالهم أخذوا يتفرّقون ، وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول : انصرف ، الناس يكفونك ، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول : غداً يأتيك أهل الشام ، فما تصنع بالحرب والشرّ؟ انصرف ، فيذهب به فينصرف ، فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى ابن عقيل وصلّى المغرب وما معه إلاّ ثلاثون نفساً في المسجد .
فلمّا رأى أنّه قد أمسى وما معه إلّا اُولئك النفر ، خرج من المسجد متوجّهاً نحو أبواب كندة ، فما بلغ الأبواب ومعه منهم عشرة ، ثمّ خرج من الباب فإذا ليس معه إنسان ، فالتفت فإذا هو لا يحسّ أحداً يدلّه على الطريق ، ولا يدلّه على منزله ، ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدوّ .
فمضى على وجهه متلدّداً في أزقّة الكوفة لا يدري أين يذهب ، حتّى خرج إلى دور بني جبلة من كندة ، فمشى حتّى انتهى إلى باب امرأة يقال لها : طوعة اُمّ ولد كانت للأشعث بن قيس فأعتقها ، فتزوّجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً ، وكان بلال قد خرج مع الناس فاُمّه قائمة تنتظره فسلّم عليها ابن عقيل ، فردّت عليه ، فقال لها : يا أمة اللَّه ، اسقيني ماء ، فسقته وجلس ، وأدخلت الإناء ثمّ خرجت فقالت : يا عبداللَّه ، ألم تشرب ؟ قال : بلى ، قالت : فاذهب إلى أهلك ، فسكت ، ثمّ أعادت مثل ذلك ، فسكت .
ثمّ قالت له في الثالثة : سبحان اللَّه! يا ۲عبداللَّه ، قم عافاك اللَّه إلى أهلك فإنّه لا يصلح لك الجلوس على بابي ، ولا اُحلّه لك .