37
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

من دون الحديث.
الحقيقة أنّ القرآن الكريم ينهض بوضع الخطوط الأساسية للدِّين، على حين تتكفّل السنّة الشريفة ببيان جزئياته. من هذه الزاوية لا يمكن للمعرفة الدينية أن تتحقّق بمفهومها الكامل، إلاّ في ظلّ هداية القرآن ونور السنّة ومن خلالهما معاً، ومن ثَمّ فإنّ الكتاب والسنّة يعيشان التحاماً لا قطيعة فيه في مضمار المناهج العقيدية والعملية للدِّين، التي تعبّر عن التكوين النهائي للمعارف القرآنية.
على هذا لا يكفي التعاطي مع الحديث الشريف بوصفه الصيغة التي تعلّم اُسلوب تفسير القرآن والطريقة التي تدلّ على كيفية الاستنباط من بحر هذا الكتاب الربّاني الكريم وحسب، بل له بالإضافة إلى ذلك دور أساسي ينهض به على مستوى تقديم الصياغة الأخيرة لمناهج الإسلام العقيدية والعملية.

المرحلة الرابعة : معرفة حقائق القرآن

تعبّر مرحلة معرفة حقائق الكتب الإلهية النازلة عن أعلى المراتب المعرفية وأسماها على خطّ التعامل مع الكتب الربّانية الكريمة، وهي ممّا يختصّ بالأنبياءأنفسهم عليهم السلام : «وَالحَقائِقُ لِلأَنبِياءِ ».
وحين ننظر إلى القرآن الكريم الذي يعدّ أهمّ الكتب الربّانية النازلة والمهيمن عليها جميعاً، نراه يضمّ بالإضافة إلى العبارات والإشارات واللطائف، الحقائق التي يختصّ بمعرفتها خاتم النبيّين محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه و آله ، وقد دلّت الأدلّة القطعيّة ۱ أنّ هذه العلوم النبوية انتقلت إلى أهل بيته الكرام وهم أوصياؤه والمؤتمنون عليها. هذا المعنى تظافرت على إثباته والدلالة عليه أخبار وافرة، تفيد بأجمعها أنّه لا يرقى إلى مستوى المعرفة الكنهية الشاملة للقرآن الكريم ولا يحيط بعلومه وذراه المعرفية

1.راجع : أهل البيت في الكتاب والسنّة : ص ۱۷۵ (القسم الرابع / علم أهل البيت) .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
36

المرحلة الثالثة : معرفة لطائف القرآن

عندما تتكشّف دقائق القرآن ولطائفه في هذه المرحلة من مراحل المعرفة القرآنية، تنبثق الأرضية المناسبة وتتهيّأ الأجواء لاستنتاج معارفه السامية وبلوغ ثماره اليانعة ، بيد أنّ هذه المرتبة المعرفية على خطّ الانتفاع بمعارف القرآن هي ممّا يختصّ بأولياء اللّه ، على ما نوّه إليه الإمام السجّاد عليه السلام ، بقوله: «وَاللَّطائِفُ لِلأَولِياءِ».

خصائص العارفين بلطائف القرآن

في سياق بيانه لخصائص أولياء اللّه العارفين بلطائف القرآن، يقول الإمام عليّ عليه السلام :
إنَّ أولِياءَ اللّهِ هُمُ الَّذينَ نَظَروا إلى باطِنِ الدُّنيا إذا نَظَرَ النّاسُ إلى ظاهِرِها، وَاشتَغَلوا بِآجِلِها إذَا اشتَغَلَ النّاسُ بِعاجِلِها، فَأَماتوا مِنها ما خَشوا أن يُميتَهُم، وتَرَكوا مِنها ما عَلِموا أنَّهُ سَيَترُكُهُم، ورَأَوُا استِكثارَ غَيرِهِم مِنهَا استِقلالاً، ودَرَكَهُم لَها فَوتاً. أعداءُ ما سالَمَ النّاسُ، وسَلمُ ما عادَى النّاسُ. بِهِم عُلِمَ الكِتاب وبِهِ عَلِموا، وبِهِم قامَ الكِتابُ وبِهِ قاموا، لا يَرَونَ مَرجُوّاً فَوقَ ما يَرجونَ، ولا مَخوفاً فَوقَ ما يَخافونَ. ۱
تُبرز الصيغ التعبيرية في النصّ: «بِهِم عُلِمَ الكِتابُ وبِهِ عَلِموا، وبِهِم قامَ الكِتابُ وبِهِ قاموا» الدورَ الأساسي الذي ينهض به الحديث في مضمار المعرفة الدينية، على نحو جليّ ، وفي هذه المرحلة من المعرفة القرآنية تغدق عملية تآصر القرآن والحديث بثمارها، ويعطي الترابط بينهما معطياته المرجوّة. وهذه الحصيلة لا تعني أنّ القرآن بدون الحديث مبهم لا يمكن الانتفاع به، على ما ذهب إليه تيار من الأخباريين، بل هي تعني أنّه لا يمكن بلوغ الصياغة النهائية لمعارف القرآن وعطاياه

1.نهج البلاغة: الحكمة ۴۳۲ ، عيون الحكم والمواعظ : ص ۱۶۰ ح ۳۴۳۶ ، بحار الأنوار: ج ۶۹ ص ۳۱۹ ح ۳۶ وراجع حلية الأولياء : ج ۱ ص ۱۰ وتاريخ دمشق : ج ۴۷ ص ۴۶۶ والدرّ المنثور : ج ۴ ص ۳۷۰ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4773
صفحه از 508
پرینت  ارسال به