105
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

«وَ مَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » . ۱
فإذن يبرز «الفلاح» في طليعة بركات الإيثار ويأتي في عداد أهمّ المنافع المترتّبة على مواجهة الأثرة والأنانية والشحّ؛ والفلاح في حقيقته عبارة عن الظفر وإدراك جميع المبتغيات الحقيقية الفردية والاجتماعية . ۲

۵ . آداب الإيثار

ذكرنا في تعريف الإيثار أنّ هذه الخصلة الكريمة تعني: «تقديم الشيء بحقّه»؛ وهذا التعريف يستبطن في محتواه جميع مبادئ آداب الإيثار التي سيأتي ذكرها في
الفصل الرابع ، وبهذا يتّضح أنّ رعاية هذه الآداب والالتزام بها، هو الشرط اللازم لتحقّق مفهوم الإيثار بوصفه قيمة أخلاقية مهمّة.
واُصول هذه الآداب، هي:

أ ـ الإخلاص

الأدب الأوّل الذي يؤطّر الإيثار هو الإخلاص ۳ ، فمع غياب الإخلاص عن هذه الممارسة لا يتحقّق مفهوم «تقديم الآخر» ، فلو وهب الإنسان إنسانا آخر شيئا هو بحاجة إليه لكن بدافع غير إلهي فسيكون في الواقع كمن قدّم ذلك الشيء إلى نفسه، إذ هو في حقيقة الأمر قد استجاب إلى دافعه النفسي، وإنّ أنانيته هي التي دفعت به إلى هذه الممارسة، وهي الحافز الكامن وراءه.

1.الحشر: ۹.

2.الفلاح: الظفر وإدراك بُغية، وذلك ضربان : دنيوي واُخروي (مفردات ألفاظ القرآن : ص ۶۴۴ «فلح») و راجع تمام الكلام.

3.راجع : ص ۱۲۵ (الإخلاص).


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
104

الإسلام استطاع من خلال هذا المنهج استيعاب الغرور الفطري للإنسان واحتوائه وتوجيهه، ومن ثَمّ استطاع أن يؤمّن له منافعه الواقعية وما يرنو إليه على المدى البعيد ، فالإنسان الذي يعيش الإيثار ويمارسه إنّما يبني ذاته ويُحسن لنفسه ويُؤمّن مصالحه الحقيقية الدائمة ، وبتعبير القرآن الكريم :
«إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ» . ۱
على عكس ذلك تماما تأتي الحصيلة في مناخات الثقافة المادّية ؛ فالمادّيون والأنانيون المستأثرون يضعون مصيرهم في مهبّ الريح ويعرّضون أنفسهم للضياع ويخسرون منافعهم الحقيقية الدائمة ويبدّدونها ، وبحسب التصوير القرآني النافذ لهذه الحالة ؛ أنّ هؤلاء ينسون أنفسهم ويخسرونها بنسيانهم اللّه :
«نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ» . ۲
على هذا الضوء ، فإنّ اتّساع ثقافة الإيثار واطّرادها داخل المجتمع لا يهدّد المنافع الشخصية للمؤثرين فحسب ، بل يحوّلهم إلى أحبّاء للّه ۳ وللناس ۴ ، ويؤهّلهم إلى نيل أفضل ضروب الحياة وأسماها في عالَم الآخرة ودار الخلود ۵ ؛ فضلاً عن النتائج الموضوعية التي يحقّقها في الواقع الخارجي متمثّلة باجتناب مناشئ الفساد الاجتماعي واستئصالها ، ومن ثَمّ تأمين المنافع المادّية والمعنوية للمجتمع الإنساني.
لقد أوجز القرآن الكريم في خاتمة آية الإيثار، البركات الفردية والاجتماعية لهذه الخصلة الكريمة في جملة واحدة، وهو يسجّل:

1.الإسراء : ۷.

2.الحشر: ۱۹.

3.راجع : ح ۳ و ۴.

4.راجع: ح ۴۴.

5.راجع : ص ۱۲۲ (الدخول في أعلى مراتب الجنّة).

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5038
صفحه از 508
پرینت  ارسال به