461
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الخامس

خَطَبوا لَم يُزَوَّجوا ، وإن شَهِدوا لَم يُعرَفوا ، وإن غابوا لَم يُفقَدوا ، قُلوبُهُم خائِفَةٌ وَجِلَةٌ مِنَ اللّهِ ، ألسِنَتُهُم مَسجونَةٌ ، وصُدورُهُم وِعاءٌ لِسِرِّ اللّهِ ، إن وَجَدوا لَهُ أهلاً نَبَذوهُ إلَيهِ نَبذا ، وإن لَم يَجِدوا لَهُ أهلاً ألقَوا عَلى ألسِنَتِهِم أقفالاً غَيَّبوا مَفاتيحَها ، وجَعَلوا عَلى أفواهِهِم أوكِيَةً ، صُلَّبٌ صِلابٌ أصلَبُ مِنَ الجِبالِ لا يُنحَتُ مِنهُم شَيءٌ ، خُزَّانُ العِلمِ ومَعدِنُ الحِكمَةِ ، وتُبّاعُ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءُ وَالصّالِحينَ ، أكياسٌ يَحسَبُهُمُ المُنافِقُ خُرسا وعُميا وبُلها وما بِالقَومِ مِن خَرَسٍ ولا عَمىً ولا بَلَهٍ . إنَّهُم لَأَكياسٌ فُصَحاءُ ، حُلَماءُ ، حُكَماءُ أتقِياءُ ، بَرَرَةٌ ، صَفوَةُ اللّهِ ، أسكَنَتهُمُ الخَشيَةُ للّهِِ ، وأعيَتهُم ألسِنَتُهُم خَوفا مِنَ اللّهِ ، وكِتمانا لِسِرِّهِ .
فَواشَوقاه إلى مُجالَسَتِهِم ومُحادَثَتِهِم ، يا كَرباه لِفَقدِهِم ، ويا كَشفَ كَرباه لِمُجالَسَتِهِم . اُطلُبوهُم ، فَإِن وَجَدتُموهُم وَاقتَبَستُم مِن نورِهِم اهتَدَيتُم وفُزتُم بِهِم فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ .
هُم أعَزُّ فِي النّاسِ مِنَ الكِبريتِ الأَحمَرِ ، حِليَتُهُم طولُ السُّكوتِ ، وكِتمانُ السِّرِّ ۱ ، وَالصَّلاةُ وَالزَّكاةُ وَالحَجُّ وَالصَّومُ ، وَالمُواساةُ لِلإِخوانِ في حالِ اليُسر وَالعُسرِ ، فَذلِكَ حِليَتُهُم ومَحَبَّتُهُم ، يا طوبى لَهُم وحُسنُ مَآبٍ ، هُم وارِثُو الفِردَوسِ ، خالِدينَ فيها ، ومَثَلُهُم في أهلِ الجِنانِ مَثَلُ الفِردَوسِ فِي الجِنانِ ، وهُمُ المَطلوبونَ فِي النّارِ المَحبورونَ فِي الجِنانِ ، فَذلِكَ قَولُ أهلِ النّارِ: «مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ» ۲ فَهُم أشرارُ الخَلقِ عِندَهُم ، فَيَرفَعُ اللّهُ مَنازِلَهُم حَتّى يَرونَهُم ، فَيَكونُ ذلِكَ حَسرَةً لَهُم فِي النّارِ فَيَقولونَ: «يَــلَيْتَنَا نُرَدُّ» ۳ فَنَكونَ مِثلَهُم فَلَقَد كانوا هُمُ الأَخيارَ ،

1.في المصدر : «بكتمان السرّ» ، والتصويب من بحار الأنوار .

2.ص : ۶۲ .

3.الأنعام : ۲۷


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الخامس
460

عِندَهُم تَعدِلُ جَناحَ بَعوضَةٍ ، ولَو أنَّ الدُّنيا بِجَميعِ ما فيها وعَلَيها ذَهَبَةٌ حَمراءُ عَلى عُنُقِ أحَدِهِم ثُمَّ سَقَطَ عَن عُنُقِهِ ما شَعَرَ بِها أيُّ شَيءٍ كانَ عَلى عُنُقِهِ ولا أيُّ شَيءٍ سَقَطَ مِنها لِهَوانِها عَلَيهِم ، فَهُمُ الحَفِيُّ (الخَفِيُّ) عَيشُهُم ، المُنتَقِلَةُ دِيارُهُم مِن أرضٍ إلى أرضٍ ، الخَميصَةُ بُطونُهُم مِنَ الصِّيامِ ، الذُّبلَةُ شِفاهُهُم مِنَ التَّسبيحِ ، العُمشُ العُيونِ مِنَ البُكاءِ ، الصُّفرُ الوُجوهِ مِنَ السَّهَرِ ، فَذلِكَ سيماهُم ، مَثَلاً ضَرَبَهُ اللّهُ فِي الإِنجيلِ لَهُم ، وفِي التَّوراةِ وَالفُرقانِ وَالزَّبورِ وَالصُّحُفِ الاُولى .
وَصَفَهُم فَقالَ : «سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَ لِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِى الْاءِنجِيلِ» ۱ عَنى بِذلِكَ صُفرَةَ وُجوهِهِم مِن سَهَرِ اللَّيلِ ، هُمُ البَرَرَةُ بِالإِخوانِ في حالِ العُسرِ وَاليُسرِ ، المُؤثِرونَ عَلى أنفُسِهِم في حالِ العُسرِ ، كَذلِكَ وَصَفَهُمُ اللّهُ فَقالَ : «وَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَ مَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ۲ فازوا وَاللّهِ وأفلَحوا .
إن رَأَوا مُؤمِناً أكرَموهُ ، وإن رَأَوا مُنافِقا هَجَروهُ ، إذا جَنَّهُمُ اللَّيلُ اتَّخَذوا أرضَ اللّهِ فِراشا وَالتُّرابَ وِسادا ، وَاستَقبَلوا بِجِباهِهِمُ الأَرضَ يَتَضَرَّعونَ إلى رَبِّهِم في فَكاكِ رِقابِهِم مِنَ النّارِ ، فَإِذا أصبَحوا اختَلَطوا بِالنّاسِ لا يُشارُ إلَيهِم بِالأَصابِعِ ، تَنَكَّبُوا الطُّرُقَ ، وَاتَّخَذُوا الماءَ طيبا وطَهوراً ، أنفُسُهُم مَتعوبَةٌ ، وأبدانُهُم مَكدودَةٌ ۳ ، وَالنّاسُ مِنهُم في راحَةٍ .
فَهُم عِندَ النّاسِ شِرارُ الخَلقِ ، وعِندَ اللّهِ خِيارُ الخَلقِ ، إن حَدَّثوا لَم يُصَدَّقوا ، وإن

1.الفتح : ۲۹ .

2.الحشر : ۹ .

3.في المصدر : «مَكدورة» ، والتصويب من بحار الأنوار.

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الخامس
    سایر پدیدآورندگان :
    عبدالهادي مسعودي، رسول افقي، سيد محمّد كاظم الطّباطبائي
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4838
صفحه از 535
پرینت  ارسال به