177
الشريف المرتضى و المعتزلة

بأنّ ذلك من باب التفضّل والجود كما تقدّم قبل قليل.

وقد مال الشريف المرتضى إلى جانب البصريين، فآمن بوجوب اللّطف في الدين وعدم وجوب الأصلح في الدنيا، وتمكّن - كما تقدّم - كغيره من الإمامية من توظيف هذا الدليل «اللّطف» لإثبات وجوب الإمامة۱، لكنّه اختلف في بعض تفاصيل اللّطف مع أبي هاشم الجبّائي، ومال إلى جانب القاضي عبد الجبّار وشيخه أبي عبد الله البصري.

فمن ذلك استدلاله على وجوب اللّطف بمثالِ مَن يدعو شخصاً للضيافة ويعلم أنّه إذا لم يُرسِل إليه من يدعوه، أو إذا لم يبتسم في وجهه فسوف لن يأتي، فيجب عليه عقلاً أن يفعل تلك الأمور التي تساعد على مجيء ذلك الشخص۲. وقد اختار أبو عبد الله البصري الاستدلال بهذا المثال، ورفض المثال الذي ذكره أبو هاشم لإثبات وجوب اللّطف۳.

ومثال أبي هاشم هو أنّ مَن يمنع الزارع مِن سقي الزرع، يكون في حكم من منع من انتفاع الزارع بالحَبّ من حيث القُبح۴. أي أنّ من يعطي الزارع حَبَّاً ليزرعه ثم يمنعه من سقيه، يكون في حكم من يعطيه حَبَّاً ويمنعه من زرعه وبذره في التراب. هذا ما ظهر لنا من المثال.

وقد أشكل البصري على المثال بأنّه يمكن أن يقال: إنّ القُبح في منع الزارع من سقي زرعه ناشئ من أنّه قد مَنع الزارع من التصرّف في أمواله، لا لأنّه يجري مجرى المنع من الانتفاع بالزرع۵. وبذلك مال المرتضى إلى جانب البصري، ورفض ما ذهب إليه أبو هاشم.

ومن ذلك أيضاً، تكليف مَن كان لطفه في أن يفعل الله تعالى قبيحاً مثل الظلم أو التكليف بما لا يطاق، فمن كان لطفه ذلك فإنّه لا يحسن تكليفه؛ لأنّ لطفه لا

1.. المصدر السابق.

2.. المصدر السابق، ص۱۹۱.

3.. المصدر السابق، ص۱۵۵.

4.. المصدر السابق، ص۱۵۴.

5.. المصدر السابق، ص۱۵۵.


الشريف المرتضى و المعتزلة
176

يقع اختيارها عنده، أو يكون أولى أن يقع عنده»۱. ومن الواضح أنّ الطاعة والمعصية فرع التكليف، ولهذا كان اللّطف خاصّاً بزمن التكليف وبعمر البلوغ، فإنّه قبل البلوغ لا تكليف، فلا معنى للطاعة والمعصية، وبذلك لا معنى لفكرة اللّطف.

اللّطف في الدين والأصلح في الدنيا

إنّ اختصاص اللّطف بالتكليف والطاعات والمعاصي، أدى إلى أن يصبح خاصّاً بالأمور الدينية، وبذلك وجب عليه تعالى - حسب رأي المعتزلة ومن تابعهم - أن يفعل بالعبد المكلّف ما يقرّبه إلى الطاعة ويبعده عن المعصية، ولهذا صار بالإمكان الاستدلال على وجوب اللّطف من خلال الحسن والقبح العقليين. وقد ذهب إلى كلّ هذا معتزلة البصرة.

أمّا معتزلة بغداد فقد حاولوا أن يعمَّموا ما يفعله الله تعالى بعباده ليشمل الأمور الدنيوية إضافة إلى الدينية، فجاؤا بفكرة: «الأصلح» بدلاً من «اللّطف»، وقالوا: إنّ الله تعالى يفعل بجوده كلّ ما هو أفضل وأصلح للعبد، وهذا الأمر لا يختصّ بفترة البلوغ والتكليف وما بعدها، بل يمتدّ راجعاً إلى ما قبلها إلى وقت الولادة، وربّما حتّى إلى ما قبل ذلك، باعتبار أنّ فعل الأصلح يشمل الأمور الدنيوية التي لا تختصّ بفترة البلوغ.

وبما أنّ معتزلة بغداد أرجعوا فعل الأصلح إلى ما قبل زمن التكليف لذا لم يجدوا مبرَّراً لإيجاب الأصلح على الله تعالى من باب العدل، رغم إيمانهم بالحسن والقبح العقليين، خلافاً لمعتزلة البصرة الذين وجدوا ما يبرّر وجوب اللّطف من باب العدل والحسن والقبح العقلیین، باعتبار ربطهم له بالتكليف كما تقدّم، لذلك اضطرّ البغداديون إلى إرجاع وجوب فكرة الأصلح إلى التفضّل والجود. إضافة إلى أنّ معتزلة بغداد لم يكونوا يؤمنون بعوالم قبل هذا العالم بحيث تتيح لهم ادّعاء استحقاق الإنسان للحصول على الأصلح في حياته بسبب أعمالٍ عملها في تلك العوالم، فلم يمكنهم ادّعاء وجوب الأصلح من باب الاستحقاق، واضطرّوا إلی القول

1.. القاضي عبد الجبّار، المغني (اللّطف)، ج۱۳، ص۹.

  • نام منبع :
    الشريف المرتضى و المعتزلة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1399
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7518
صفحه از 275
پرینت  ارسال به