17
الشريف المرتضى و المعتزلة

البصرة، فهل كان متأثّراً بهم تأثّراً بالغاً يسمح بإطلاق لقب (معتزلي) عليه، أم أنّه كان يمتلك مدرسة كلامية مستقلّة لها أصولها ودعائمها المستمَدة من مدرسة أهل البيت علیهم السّلام، سوى أنّها قد تلتقي أحياناً، أو في الكثير من الأحايين مع المدرسة الكلامية للمعتزلة؟ فما هي الحقيقة يا تُرى؟ نحاول من خلال هذه الدراسة استيضاح الأمر بصورة جلية، ليتّضح لنا مدى ارتباط وتأثّر المرتضى بالمعتزلة، وذلك من خلال دراسة البُنى التحتية لفكره، والركائز التي اعتمد عليها هذا الفكر. وعلى الرغم من أنّنا لا نخفي وجود تأثّرٍ مّا له بالمعتزلة، إلّا أنّ هذا القدر لا يسمح بمصادرة كلّ مدرسته الفكرية، وإدخال الفكر الاعتزالي إلى قلب المدرسة الكلامية الإمامية.

وتكمن أهمية البحث في أنّ اتّهام شخصية إمامية عملاقة، ذات أثر كبير على تاريخ الفكر الإمامي، كشخصية الشريف المرتضى ليس أمراً يسيراً، ولا يمكن المرور من عنده بسهولة؛ لِمَا لهذه الشخصية من أثر حقيقي ورمزي في تاريخ المدرسة الإمامية، فإنّ الكثير من العلماء - كما سوف يتّضح من خلال الفصول القادمة - قد تخرّجوا من مدرسته، واستقوا من فكره، كما أنّ أثره قد استمرّ إلى عدّة قرون، حتى يمكن إيصال أثره إلى عصرنا الحاضر، لذلك فاتّهام هكذا شخصية من العيار الثقيل كشخصية المرتضى بالاعتزال يعني اتّهام تيّار واسع من علماء الإمامية بالتأثّر بالمعتزلة والسير على خطاهم، وهذا يعني فقدان مدرسة الإمامية استقلالها وأصالتها وجذورها التي تتباهى بإرجاعها إلى مدرسة أئمّة أهل البيت علیهم السّلام، الأمر الذي ستكون له انعكاسات ومردودات خطيرة.

ومهما يكن من أمر، فهذه خطوة على الطريق نأمل أن نكون قد وُفّقنا - ولو بصورة محدودة - للقيام بها، على أمل أن تتبعها خطوات أخرى.

وجدير بالذكر أنّ هذا الكتاب يشكّل في الأصل رسالتنا للحصول على شهادة الدكتوراه، وقد قمنا هنا بعرضه بصورة كتاب وتقديمه للقرّاء الكرام.

وفي ختام هذه المقدّمة لا يَسَعني الا أن أشكر كلّ من كانت له يدٌ في إعداد هذا الكتاب، ومراجعته، وتقديمه للنشر، وأخصّ بالذكر سماحة آية الله الرَّي شهري


الشريف المرتضى و المعتزلة
16

إذن، لقد تركت كلّ هذه المعوَّقات أثرَها على نشاط الإمامية ومتكلّميهم، حيث لم يبرز في تلك الفترة متكلّمون كبار ومن الدرجة الأولى، رغم أنّ ذلك العصر لم يَخلُ من جماعة من المتكلّمين الذين صاروا ملجأ للإمامية في ذلك العصر، من أمثال أبي الأحوص المصري، وأبي سهل وأبي محمّد النوبختيَّين، وابن قِبَة الرّازي، وأبي الجيش البلخي. إلّا أنّ هؤلاء المتكلمين لم يتمكّنوا من بثّ الروح من جديد في جسد الإمامية المرهق، على الرغم من كلّ الجهود التي بذلوها.

إلى أن وصل الدور إلى شيخ الشيعة الكبير ورمزهم الخالد، الشيخ المفيد العكبري البغدادي، المعروف بابن المعلّم، الذي تمكّن خلال عقود من الجهود العلمية الجبّارة، من بعث روح النشاط والحيوية في جسد الإمامية، فأسّس مدرسة فكرية متكاملة الأركان، تعتمد في أساسها على تعاليم أئمّة أهل البيت علیهم السّلام، وتحاول تدعيم ذلك بنتائج العقل القطعية، وبذلك ترك أثراً بالغاً في فكر الإمامية بفضل ما قدّمه من كتب ورسائل، وبفضل مَن أعدَّه من التلامذة النابهين، وما قام به من مناظرات مع علماء باقي الفرق، ولم يقتصر تأثير المفيد على عصره، بل استمرّ بعد ذلك وما زال قائماً. وقد أهّله كلّ ذلك كي يستحقَّ بجدارة أن يكون ثاني أكبر متكلّم إمامي بعد هشام بن الحكم.

حتّى وصلت النوبة إلى عَلَم الهدى، الشريف الأجلّ، ذي المجدَين، عليّ بن الحسين الموسوي، المعروف بالسيد والشريف المرتضى، أكبر تلميذ للمفيد بلا منازع، حيث أخذ على عاتقه واجبَ إتمامِ النهضة التي بدأها شيخه على نفس الأسس والدعائم، أي الأسس المُستقاة من فكر أئمّة أهل البيت علیهم السّلام، والدعائم المأخوذة من العقل. وتمكّن من إيصال المدرسة الفكرية الكلامية عند الإمامية إلى مَدَيات بعيدة، الأمر الذي أعاد الوَهَج والألق إلى نجم الإمامية، فأخذوا يُعَدّون في مصافّ أكبر المدارس الكلامية.

وقد قمنا في هذا الكتاب بالتركيز على نقطة مهمّة من الحياة الفكرية للشريف المرتضى، كانت وما زالت مثاراً للجدل، وهي مدى ارتباطه بالمعتزلة وخاصّة معتزلة

  • نام منبع :
    الشريف المرتضى و المعتزلة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1399
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7497
صفحه از 275
پرینت  ارسال به