البصرة، فهل كان متأثّراً بهم تأثّراً بالغاً يسمح بإطلاق لقب (معتزلي) عليه، أم أنّه كان يمتلك مدرسة كلامية مستقلّة لها أصولها ودعائمها المستمَدة من مدرسة أهل البيت علیهم السّلام، سوى أنّها قد تلتقي أحياناً، أو في الكثير من الأحايين مع المدرسة الكلامية للمعتزلة؟ فما هي الحقيقة يا تُرى؟ نحاول من خلال هذه الدراسة استيضاح الأمر بصورة جلية، ليتّضح لنا مدى ارتباط وتأثّر المرتضى بالمعتزلة، وذلك من خلال دراسة البُنى التحتية لفكره، والركائز التي اعتمد عليها هذا الفكر. وعلى الرغم من أنّنا لا نخفي وجود تأثّرٍ مّا له بالمعتزلة، إلّا أنّ هذا القدر لا يسمح بمصادرة كلّ مدرسته الفكرية، وإدخال الفكر الاعتزالي إلى قلب المدرسة الكلامية الإمامية.
وتكمن أهمية البحث في أنّ اتّهام شخصية إمامية عملاقة، ذات أثر كبير على تاريخ الفكر الإمامي، كشخصية الشريف المرتضى ليس أمراً يسيراً، ولا يمكن المرور من عنده بسهولة؛ لِمَا لهذه الشخصية من أثر حقيقي ورمزي في تاريخ المدرسة الإمامية، فإنّ الكثير من العلماء - كما سوف يتّضح من خلال الفصول القادمة - قد تخرّجوا من مدرسته، واستقوا من فكره، كما أنّ أثره قد استمرّ إلى عدّة قرون، حتى يمكن إيصال أثره إلى عصرنا الحاضر، لذلك فاتّهام هكذا شخصية من العيار الثقيل كشخصية المرتضى بالاعتزال يعني اتّهام تيّار واسع من علماء الإمامية بالتأثّر بالمعتزلة والسير على خطاهم، وهذا يعني فقدان مدرسة الإمامية استقلالها وأصالتها وجذورها التي تتباهى بإرجاعها إلى مدرسة أئمّة أهل البيت علیهم السّلام، الأمر الذي ستكون له انعكاسات ومردودات خطيرة.
ومهما يكن من أمر، فهذه خطوة على الطريق نأمل أن نكون قد وُفّقنا - ولو بصورة محدودة - للقيام بها، على أمل أن تتبعها خطوات أخرى.
وجدير بالذكر أنّ هذا الكتاب يشكّل في الأصل رسالتنا للحصول على شهادة الدكتوراه، وقد قمنا هنا بعرضه بصورة كتاب وتقديمه للقرّاء الكرام.
وفي ختام هذه المقدّمة لا يَسَعني الا أن أشكر كلّ من كانت له يدٌ في إعداد هذا الكتاب، ومراجعته، وتقديمه للنشر، وأخصّ بالذكر سماحة آية الله الرَّي شهري