139
الشريف المرتضى و المعتزلة

لأنّ هذا الرأي يتوافق مع رأيه في اختيارية الإنسان التي تمثّل أهمّ مسألة من مسائل العدل، فدليلُهما كما تقدّم مشترك، فإن أنكر اكتسابية المعرفة كان عليه أن ينكر اختيار الإنسان أيضاً، مع أنّه من بديهيات المدرسة الكلامية الإمامية المقتبسة من تعاليم أئمّة أهل البيت علیهم السّلام، أي أنّه إذا أنكر اكتسابية المعرفة فهذا سيكون منافياً لمبانيه المعتمدة في مجال العدل. فالقول بأنّ معرفة الله تعالى مكتسبة ناشئ من وفاء المرتضى لمبانيه، لا لتأثّره واتّباعه للمعتزلة.

أضف إلى ذلك، سوف يأتي في بحث الإيمان - إن شاء الله تعالى - أنّ الإيمان عند المرتضى عبارة عن التصديق والمعرفة، أي معرفة الله تعالى، ومعرفة ما أوجبه من معرفة النبي صلی الله علیه و آله والإمام علیه السّلام وغير ذلك من المعارف الواجبة - وهو يختلف في هذه النقطة مع المعتزلة الذين جعلوا معنى الإيمان شاملاً للتصديق والعمل - فإن كانت معرفة الله تعالى ضرورية لكان الإيمان - لكونه من سنخ المعرفة - ضرورياً أيضاً، لكنّ الإيمان أمر مكتسب، يُكلَّف الإنسان به، ويثاب عليه، ويعاقب على عدمه، فكان من الضروري اعتبار معرفة الله تعالى اكتسابية باعتبار أنّها أهمّ مكوَّن من مكوَّنات الإيمان المكتسب. إذن هذه هي بعض الأمور التي دعت المرتضى إلى تبنّي نظرية اكتسابية معرفة الله تعالى. وهناك إشارة للمرتضى في بعض كتبه ذكر فيها أنّ المعرفة الضرورية تنافي التكليف۱، وهو يؤيّد كلامنا المتقدّم.

۴. وجوب المعرفة والموجِب لها

بعد أن عرفنا أنّ معرفة الله تعالى اكتسابية، وأنّها تحصل من خلال النظر والفكر والاستدلال، حينئذ ظهر بحث بين المتكلّمين، وهو هل أنّ النظر في معرفة الله تعالى والاستدلال عليها واجب على المكلّف أم لا؟ وإذا كان واجباً فما هو الموجِب له، ولماذا يكون واجباً؟ ثم إن كان واجباً فما هي مرتبته بين باقي الواجبات، فهل هو أوّل الواجبات، أم أنّه متأخّر رتبة عن واجبات أخرى متقدّمة عليه؟

يرى المرتضى كباقي المعتزلة أنّ النظر واجب على المكلّف، والموجِب له هو - كما

1.. المرتضى، الأمالي، ج۳، ص۱۶۱.


الشريف المرتضى و المعتزلة
138

على الضدّ كان قادراً على الضدّ الآخر۱.

الثاني: أنّ العلم بالله تعالى يحصل بحسب دواعينا وأحوالنا، وينتفي بحسب كراهاتنا وصوارفنا، أي إذا أردنا حصول العلم حصل، وإن لم نرد لم يحصل، وهذا يدلّ على أنّه تابع لنا ولإرادتنا۲.

الثالث: أنّنا إذا علمنا علماً صحيحاً مُدحنا عليه، وإن جهلنا به ذُممنا عليه، وهذا يدلّ على أنّ هذا العلم والجهل من فعلنا نحن، وليس من فعل غيرنا فينا۳.

والجدير بالذكر أنّ الدليلين الأخيرين كما يدلّان على اكتسابية المعرفة، فهُما في نفس الوقت دليلان على اختيار الإنسان۴؛ فإنّ فعل الإنسان تابع لدواعيه وصوارفه وإرادته، كما أنّه إذا فعل فعلاً حسناً مُدح عليه، وإن فعل فعلاً قبيحاً ذمّه الآخرون عليه، وهذا يدلّ على أنّ الفعل فعله، وأنّه تابع لإرادته واختياره وليس مجبراً عليه.

وهذه الطريقة في الاستدلال على الاختيار يمكن مشاهدتها في تراث أهل البيت علیهم السّلام، فقد روي عن أمير المؤمنين علیه السّلام في جواب من سأله عن الجبر والاختيار عند انصرافه من صفّين: «إنّه لو كان كذلك [أي لو كنّا مكرَهين] لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي، والزجر من اللّٰه، وسقط الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب، ولا مَحْمَدة للمحسن»۵.

ولهذا اختار الشريف المرتضى أنّ معرفة الله تعالى اكتسابية، وابتعد عمّا ذهب إليه بعض متقدّمي متكلّمي الإمامية القائلين باضطرارية المعرفة.

ولتوضيح أكثر لهذهِ النقطة نقول: لقد اختار المرتضى رأيه في اكتسابية المعرفة؛

1.. المرتضى، الذخيرة، ص۱۶۵؛ القاضي عبد الجبّار، المغني (النظر والمعارف)، ج۱۲، ص۲۱۱-۲۱۲.

2.. المرتضى، الذخيرة، ص۱۶۶؛ القاضي عبد الجبّار، المغني (النظر والمعارف)، ج۱۲، ص۲۰۹.

3.. المرتضى، الذخيرة، ص۱۶۶.

4.. المصدر السابق.

5.. الكليني، الكافي، ج۱، ص۱۱۹-۱۲۰.

  • نام منبع :
    الشريف المرتضى و المعتزلة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1399
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7589
صفحه از 275
پرینت  ارسال به