233
موسوعة الامام الحسين عليه السّلام في الکتاب و السّنّة و التّاريخ - المجلّد التّاسع

وأصرِفَها فيما كُنتُ عَلَيهِ ، فَمانَعَني عَن أخذِها ، فَأَوجَعتُهُ ضَربا ولَوَيتُ يَدَهُ ، وأخَذتُها ومَضَيتُ .
فَأَومَأَ بِيَدِهِ إلى رُكبَتَيهِ يَرومُ النُّهوضَ مِن مَكانِهِ ذلِكَ ، فَلَم يُطِق يُحَرِّكُها مِن شِدَّةِ الوَجَعِ وَالأَلَمِ ، فَأَنشَأَ يَقولُ :

جَرَت رَحِمٌ بَيني وبَينَ مُنازِلٍسَواءً كَما يَستَنزِلُ القَطرَ طالِبُه
ورَبَّيتُ حَتّى صارَ جَلدا شَمَردَلاً ۱إذا قامَ ساوى غارِبَ ۲ الفَحلِ غارِبُه
وقَد كُنتُ اُوتيهِ مِنَ الزّادِ فِي الصِّباإذا جاعَ مِنهُ صَفوُهُ وأطايِبُه
فَلَمَّا استَوى في عُنفُوانِ شَبابِهِوأصبَحَ كَالرُّمحِ الرُّدَينِيِّ ۳ خاطِبُه
تَهَضَّمَني مالي كَذا ولَوى يَديلَوى يَدَهُ اللّهُ الَّذي هُوَ غالِبُه
ثُمَّ حَلَفَ بِاللّهِ لَيَقدَمَنَّ إلى بَيتِ اللّهِ الحَرامِ ، فَيَستَعدِي اللّهَ عَلَيَّ .
قالَ : فَصامَ أسابيعَ ، وصَلّى رَكَعاتٍ ، ودَعا ، وخَرَجَ مُتَوَجِّها عَلى عَيرانَةٍ ۴ ، يَقطَعُ بِالسَّيرِ عَرضَ الفَلاةِ ، ويَطوِي الأَودِيَةَ ويَعلُو الجِبالَ ، حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ يَومَ الحَجِّ الأَكبَرِ ، فَنَزَلَ عَن راحِلَتِهِ ، وأقبَلَ إلى بَيتِ اللّهِ الحَرامِ ، فَسَعى وطافَ بِهِ ، وتَعَلَّقَ بِأَستارِهِ ، وَابتَهَلَ ، وأنشَأَ يَقولُ :
يا مَن إلَيهِ أتَى الحُجّاجُ بِالجَهَدِفَوقَ المَهاوي ۵ مِنَ اقصى غايَةِ البُعدِ
إنّي أتَيتُكَ يا مَن لا يُخَيِّبُ مَنيَدعوهُ مُبتَهِلاً بِالواحِدِ الصَّمَدِ
هذا مُنازِلُ لا يَرتاعُ مِن عققيفَخُذ بِحَقّي يا جَبّارُ مِن وَلَدي
حَتّى تُشِلَّ بِعَونٍ مِنكَ جانِبَهُيا مَن تَقَدَّسَ لَم يولَد ولَم يَلِدِ
قالَ : فَوَ الَّذي سَمَكَ ۶ السَّماءَ ، وأنبَعَ الماءَ ، مَا استَتَمَّ دُعاءَهُ حَتّى نَزَلَ بي ما تَرى ـ ثُمَّ كَشَفَ عَن يَمينِهِ ، فَإِذا بِجانِبِهِ قَد شَلَّ ـ فَأَنَا مُنذُ ثَلاثِ سِنينَ أطلُبُ إلَيهِ أن يَدعُوَ لي ۷ فِي المَوضِعِ الَّذي دَعا بِهِ عَلَيَّ ، فَلَم يُجِبني ، حَتّى إذا كانَ العامُ ، أنعَمَ عَلَيَّ فَخَرَجتُ [بِهِ] ۸ عَلى ناقَةٍ عُشَراءَ ۹ اُجِدُّ السَّيرَ حَثيثا رَجاءَ العافِيَةِ ، حَتّى إذا كُنّا عَلَى الأَراكِ ۱۰ ، وحَطمَةِ ۱۱ وادِي السِّياكِ ۱۲ نَفَرَ طائِرٌ فِي اللَّيلِ ، فَنَفَرَت مِنهُ النّاقَةُ الَّتي كانَ عَلَيها ، فَأَلقَتهُ إلى قَرارِ الوادي ، وَارفَضَّ بَينَ الحَجَرَينِ ، فَقَبَرتُهُ هُناكَ ، وأعظَمُ مِن ذلِكَ أنّي لا اُعرَفُ إلَا «المَأخوذَ بِدَعوَةِ أبيهِ» !
فَقالَ لَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام : أتاكَ الغَوثُ ، ألا اُعَلِّمُكَ دُعاءً عَلَّمَنيهِ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، وفيهِ اسمُ اللّهِ الأَكبَرُ الأَعظَمُ ، العَزيزُ الأَكرَمُ ، الَّذي يُجيبُ بِهِ مَن دَعاهُ ، ويُعطي بِهِ

1.الزيادة من بحار الأنوار .

2.الشَّمَردَل : السريع من الإبل وغيره (الصحاح : ج ۵ ص ۱۷۴۱ «شمردل») .

3.الغارِب : ما بين العُنق والسَّنام ، وهو الذي يُلقى عليه خِطام البعير إذا اُرسِل (المصباح المنير : ص ۴۴۴ «غرب») .

4.الرُّمْحُ الرُّديني : زعموا أنّه منسوب إلى امرأة السمهريّ ، تسمّى ردينة ، وكانا يقوّمان القَنا بِخِطِّ هَجَر (الصحاح : ج ۵ ص ۲۱۲۲ «ردن») .

5.العَيرانَة : الناقة تشبّه بالعَيْر [أي الحمار الوحشي] في سرعتها ونشاطها (الصحاح : ج ۲ ص ۷۶۴ «عير») .

6.المَهواة : موضع في الهواء مشرف ما دونه من جبلٍ وغيره (لسان العرب : ج ۱۵ ص ۳۷۰ «هوا») . وفي بحار الأنوار : «المِهاد» .

7.سمك الشيء يسمكه : إذا رفعه (النهاية : ج ۲ ص ۴۰۲ «سمك») .

8.في المصدر : «يدعوني» ، والتصويب من بحار الأنوار .

9.العُشَراء من النُّوق : التي مضى لحملها عشرة أشهر بعد طُروق الفَحل . وأحسن ما تكون الإبل وأنفَسُها عند أهلها إذا كانت عِشارا (تاج العروس : ج ۷ ص ۲۲۵ و ۲۲۶ «عشر») .

10.الأراك : هو وادي الأراك قرب مكّة (معجم البلدان : ج۱ ص ۱۳۵) .

11.حَطمُ الجَبَلِ : الموضع الّذي حُطِمَ منهُ ، أي ثُلِمَ فبقي منقطعا (لسان العرب : ج ۱۲ ص ۱۳۸ «حطم») .

12.في المصدر : «وحطته وادي السجال» ، والتصويب من بحار الأنوار .


موسوعة الامام الحسين عليه السّلام في الکتاب و السّنّة و التّاريخ - المجلّد التّاسع
232

فَما زِلتُ أخبِطُ في طَخياءِ الظَّلامِ ، وأتَخَلَّلُ بَينَ النِّيامِ ، فَلَمّا صِرتُ بَينَ الرُّكنِ وَالمَقامِ ، بَدا لي شَخصٌ مُنتَصِبٌ ، فَتَأَمَّلتُهُ فَإِذا هُوَ قائِمٌ ، فَقُلتُ :
السَّلامُ عَلَيكَ أيُّهَا العَبدُ المُقِرُّ المُستَقيلُ ، المُستَغفِرُ المُستَجيرُ ، أجِب بِاللّهِ ابنَ عَمِّ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله .
فَأَسرَعَ في سُجودِهِ وقُعودِهِ وسَلَّمَ ، فَلَم يَتَكَلَّم حَتّى أشارَ بِيَدِهِ بِأَن تَقَدَّمني ، فَتَقَدَّمتُهُ ، فَأَتَيتُ بِهِ أميرَ المُؤمِنينَ عليه السلام فَقُلتُ : دونَكَ ها هُوَ !
فَنَظَرَ إلَيهِ ، فَإِذا هُوَ شابٌّ حَسَنُ الوَجهِ ، نَقِيُّ الثِّيابِ ، فَقالَ لَهُ : مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟
فَقالَ لَهُ : مِن بَعضِ العَرَبِ .
فَقالَ لَهُ : ما حالُكَ ، ومِمَّ بُكاؤُكَ وَاستِغاثَتُكَ ؟
فَقالَ : حالُ مَن اُوخِذَ بِالعُقوقِ فَهُوَ في ضيقٍ ، ارتَهَنَهُ المُصابُ ، وغَمَرَهُ الاِكتِئابُ فَارتابَ ۱ ، فَدُعاؤُهُ لا يُستَجابُ .
فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ عليه السلام : ولِمَ ذلِكَ ؟
فَقالَ : لِأَنّي كُنتُ مُلتَهِيا فِي العَرَبِ بِاللَّعبِ وَالطَّرَبِ ، اُديمُ العِصيانَ في رَجَبٍ وشَعبانَ ، وما اُراقِبُ الرَّحمنَ ، وكانَ لي والِدٌ شَفيقٌ يُحَذِّرُني مَصارِعَ الحَدَثانِ ۲ ، ويُخَوِّفُنِي العِقابَ بِالنّيرانِ ، ويَقولُ : كَم ضَجَّ مِنكَ النَّهارُ وَالظَّلامُ ، وَاللَّيالي وَالأَيّامُ ، وَالشُّهورُ وَالأَعوامُ ، وَالمَلائِكَةُ الكِرامُ . وكانَ إذا ألَحَّ عَلَيَّ بِالوَعظِ زَجَرتُهُ وَانتَهَرتُهُ ، ووَثَبتُ عَلَيهِ وضَرَبتُهُ .
فَعَمَدتُ يَوما إلى شَيءٍ مِنَ الوَرِقِ ۳ وكانَت فِي الخِباءِ ، فَذَهَبتُ لِاخُذَها

1.في بحار الأنوار ج ۴۱ ص ۲۲۵ : «فإن تاب» بدل «فارتاب» .

2.حَدَثانُ الدهر : نُوَبُهُ ، وما يحدث فيه (لسان العرب : ج ۲ ص ۱۳۲ «حدث») .

3.الوَرْقُ : الدراهم المضروبة ، وفي الوَرْق ثلاث لغات : وَرِق ، ووِرْق ، وَوَرَق (الصحاح : ج ۴ ص ۱۵۶۴ «ورق») .

  • نام منبع :
    موسوعة الامام الحسين عليه السّلام في الکتاب و السّنّة و التّاريخ - المجلّد التّاسع
    سایر پدیدآورندگان :
    سيد محمود الطباطبائي نژاد، السيّد روح الله السيّد طبائي
    تعداد جلد :
    9
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1389
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7798
صفحه از 491
پرینت  ارسال به