27
العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة

الآخر قشره الظاهري حسب. في الاستخدام الأوّل هنالك تلازم بين العقل والعلم كما روي عن أميرالمؤمنين عليه‏السلام أنّه قال: «العَقلُ والعِلمُ مَقرونانِ في قَرنٍ لا يَفتَرِقانِ ولا يَتَبايَنانِ»۱. وعلى هذا الأساس لا يوجد ثمّة فارق بين العالم والعاقل، وذلك لأنّ العاقل عالم، والعالم عاقل، حيث قال تعالى في كتابه الكريم: «وَ تِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَ مَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ الْعَلِمُونَ»۲.

أمّا في الاستخدام الثاني فهنالك تفاوت بين العاقل والعالم، والعلم بحاجة إلى العقل، فقد يكون هناك عالم ولكنّه غير عاقل، وإذا اقترن العلم بالعقل كان ذا فائدة للعالِم وللعالَم. أمّا إذا تجرّد من العقل فلا خير فيه، بل ولا يخلو في مثل هذه الحالة من الضرر والخطر.

خطر العلم بلا عقل:

قال الإمام علي عليه‏السلام في هذا المعنى: «العَقلُ لَم يَجنِ عَلى صاحِبِهِ قَطُّ، وَالعِلمُ مِن غَيرِ عَقلٍ يَجني عَلى صاحِبِهِ»۳. وفي عالم اليوم تطوّر العلم غير أنّ العقل تناقص. والمجتمع الحالي يمثّل مصداقًا لمقولته عليه‏السلام حين يقول: «مَن زادَ عِلمُهُ عَلى عَقلِهِ كانَ وَبالاً عَلَيهِ»، وهو أيضًا مصداق لهذا البيت:

إذا كنت ذا علم ولم تكُ عاقلاًفأنت كذي نعل وليس له رجلُ۴

لقد أصبح العلم في العصر الراهن ـ نتيجة لابتعاده عن العقل ـ سببًا لاضطراب وفساد وانحطاط المجتمع البشري مادّيًا ومعنويًا، بدلاً من أن يكون عاملاً لاستقراره ورفاهه وتقدّمه وتكامله على الصعيدين المعنوي والمادّي؛ حيث تحوّل

1.راجع ص ۹۶ / ح ۲۷۵ وص ۹۴ «آثار العقل» .

2.العنكبوت: ۴۳ .

3.راجع ص ۵۹ / ح ۱۰۵ .

4.راجع ص ۵۹ / ۱۱۰ .


العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
26

والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: ما العقل والعلم المطبوع؟ وبِمَ يختلف عن العقل والعلم المسموع؟ ولماذا لا ينفع الإنسان عقل التجربة والعلم المسموع إذا لم يكن العقل والعلم المطبوع؟

والجواب هو: الظاهر أنّ المراد من العقل والعلم المطبوع هو مجموعة المعارف التي أودعها اللّه‏ عز و جل في طبيعة كلّ إنسان؛ ليعثر بواسطتها على الطريق الذي يقوده إلى الكمال، ويسير بها على طريق الغاية النهائية لعالم الخلقة. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه المعارف الفطرية بإلهام الفجور والتقوى، وذلك في قوله: «وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا»۱، وهو ما يسمّى اليوم بالوجدان الأخلاقي.

يعتبر عقل الطبع أو الوجدان الأخلاقي مبدأ للإدراك، وفي الوقت ذاته كمبدأ للحفز، ولو قُدّر له الانبعاث والتنامي على أساس تعاليم الأنبياء لتسنّى للإنسان الاستفادة من سائر المعارف التي اختزنها عن طريق الدراسة والتجربة، ولتيسّر له تحقيق الحياة الإنسانية الطيّبة التي يصبو إليها. أمّا إذا مات عقل الطبع على أثر اتّباع الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فلا تنفع الإنسان عند ذاك أية معرفة في إيصاله إلى الحياة المنشودة، مثلما ورد في كلام أميرالمؤمنين عليه‏السلام الذي شبّه فيه عقل الطبع بالعين، وعقل التجربة بالشمس. ولا شكّ في أنّ رؤية الحقائق تستلزم وجود عين سليمة من جهة، ووجود نور الشمس من جهة اُخرى. وكما أنّ نور الشمس لا يحول دون زلل الأعمى، فكذلك لا ينفع عقل التجربة في الحيلولة دون زلل وسقوط من مات لديه عقل الطبع والوجدان الأخلاقي.

الفرق بين العاقل والعالم:

بيّنا في مدخل كتاب «العلم والحكمة في الكتاب والسنّة» أنّ لكلمة «العلم» في النصوص الإسلامية استخدامين: يُعنى أحدهما بجوهر وحقيقة العلم، فيما يتناول

1.الشمس : ۷ و۸ .

  • نام منبع :
    العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3398
صفحه از 316
پرینت  ارسال به