25
العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة

وأوّل من قال بهذا الرأي ـ على الأشهر ـ هو ابن سينا، ومن بعده قطب الدين الرازي صاحب المحاكمات، وأخيرًا المحقق النراقي صاحب كتاب «جامع السعادات»۱.

أقول: النظرية الاُولى أقرب إلى معنى كلمة العقل، والأصح هو تفسير العقل العملي بمبدأ الإدراك والحفز؛ وذلك لأنّ الشعور الذي يتعاطى مع القيم الأخلاقية والعملية هو مبدأ الإدراك، وهو في الوقت ذاته مبدأ للدفع والحفز. وقوّة الإدراك هذه هي ذات العنصر الذي سُمّي من قبل بالوجدان الأخلاقي وسمّته النصوص الإسلامية بعقل الطبع، وهو ما سنوضّحه فيما يأتي:

عقل الطبع وعقل التجربة:

وبدلاً من تقسيم العقل إلى نظري وعملي وضعت له النصوص الإسلامية تقسيمًا من نوع آخر، وصنّفته إلى «عقل طبع» و«عقل تجربة» أو «عقل مطبوع» و«عقل مسموع»، حيث قال الإمام علي بن أبي طالب عليه‏السلام في هذا المضمار: «العَقلُ عَقلانِ؛ عَقلُ الطَّبعِ وعَقلُ التَّجرِبَةِ، وكِلاهُما يُؤّدِّي المَنفَعَةَ». وقال أيضًا:

رَأَيتُ العَقلَ عَقلَينِفَمَطبوعٌ ومَسموعُ

لا يَنفَعُ مَسموعٌإذا لَم يَكُ مَطبوعُ كَما لا تنفَعُ الشَّمسٌوضَوءُ العَينِ مَمنوعُ۲.

وممّا يسترعي الانتباه في هذا المجال هو ما روي عن الإمام علي عليه‏السلام فيما يخصّ هذا التقسيم، حيث روي عنه أنّه قال بشأن العلم: «العِلمُ عِلمانِ؛ مَطبوعٌ ومَسموعٌ، ولا يَنفَعُ المَسموعُ إذا لَم يَكُنِ المَطبوعُ»۳.

1.جامع السعادات : ۱ / ۵۷ .

2.راجع ص ۴۲ / أنواع العقل .

3.راجع كتاب «العلم والحكمة في الكتاب والسنّة» : ۳۶ / ۴ .


العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
24

من حيث ما تتّسم به من تماسك وابتعاد عن الخطأ، وتسمّى من ناحية اُخرى ب«العقل» من حيث يدفع الإنسان إلى فعل الخير ويمنعه عن الانزلاق فكرا وعملاً، ويمكن البرهنة على هذا الزعم بكلّ جلاء من خلال استقراء مبادئ وصفات وآثار وآفات وعوائق العلم والحكمة۱ والعقل۲.

العقل النظري والعقل العملي:

هنالك رأيان في تفسير معنى العقل النظري والعقل العملي:

يذهب الرأي الأوّل إلى أنّ العقل هو مبدأ الإدراك، ولا يوجد في هذا الصدد أيّ فارق بين العقل النظري والعقل العملي، وإنّما يكمن الفارق في الهدف؛ فإذا كان الهدف من إدراك الشيء هو معرفته لا العمل به، يُسمّى مبدأ الإدراك حينئذٍ بالعقل النظري، من قبيل إدراك حقائق الوجود، أمّا إذا كان الهدف من الإدراك هو العمل، فيسمّى مبدأ الإدراك عند ذاك بالعقل العملي، من قبيل معرفة حسن العدل وقبح الجور، وحسن الصبر وقبح الجزع، وما إلى ذلك. وقد نُسب هذا الرأي إلى مشاهير الفلاسفة. ويمثّل العقل العملي ـ وفقًا لهذا الرأي ـ مبدءًا للإدراك وليس كمحفز أو دافع.

ويذهب الرأي الثاني إلى القول بأنّ التفاوت بين العقل النظري والعقل العملي تفاوت في الجوهر؛ أي في طبيعة الأداء الوظيفي لكلّ منهما؛ فالعقل النظري هو عبارة عن مبدأ الإدراك سواء كان الهدف من الإدراك هو المعرفة أم العمل، والعقل العملي مبدأللدوافع والمحفزات لا الإدراك، ومهمّة العقل العملي هي تنفيذ مدركات العقل النظري.

1.راجع كتاب «العلم والحكمة في الكتاب والسّنة» / ص ۴۵ «مبادئ الإلهام» ، ص ۱۵۷ «حجب العلموالحكمة» ، ص ۱۸۳ «ما يزيل الحُجب» و... .

2.راجع ص ۷۹ «ما يقوّي العقل» ، ص ۹۱ «علامات العقل» ، ص ۱۴۱ «آفات العقل» ، ص ۱۵۵ «أحكام العاقل» .

  • نام منبع :
    العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3455
صفحه از 316
پرینت  ارسال به