189
العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة

بِرَأيِهِ هَلَكَ، وإنَّ عيسَى بنَ مَريَمَ عليه‏السلام قالَ: داوَيتُ المَرضى فَشَفَيتُهُم بِإِذنِ اللّهِ، وأبرَأتُ الأَكمَهَ وَالأَبرَصَ بِإِذنِ اللّهِ، وعالَجتُ المَوتى فَأَحيَيتُهُم بِإِذنِ اللّهِ، وعالَجتُ الأَحمَقَ فَلَم أقدِر عَلى إصلاحِهِ.

فَقيلَ: يا روحَ اللّهِ، ومَا الأَحمَقُ ؟

قالَ: المُعجَبُ بِرَأيِهِ ونَفسِهِ، الَّذي يَرَى الفَضلَ كُلَّهُ لَهُ لا عَلَيهِ، ويوجِبُ الحَقَّ كُلَّهُ لِنَفسِهِ ولا يوجِبُ عَلَيها حَقًّا، فَذاكَ الأَحمَقُ الَّذي لا حيلَةَ في مُداواتِهِ»۱.

يتّضح في ضوء هذا التفسير أنّ الأحمق الحقيقيّ ليس المصاب بعاهة في دِماغه ويعجز عن إدراك الاُمور بسبب مرض جسديّ ؛ لأنّ مثل هذا المريض حتّى وإن استعصى علاجه بالطرق الطبيعيّة للمداواة، يمكن معالجته بطرق الإعجاز.

وإنّما الأحمق الحقيقيّ هو من يتمتّع بدماغ سالم، إلاّ أنّ مرض العجب والإحساس بأنّه يعلم هو الذي يفسد عليه عقله، ويحلّ موته العقليّ نتيجة عدم استجابته لدعوة العقل العمليّ. وميّتٌ كهذا يستحيل علاجه، وحتّى النبيّ عيسى عليه‏السلام بإعجازه عيي عن مداواته. كان عليه‏السلام يعالج أنواع الأمراض البدنيّة بإذن اللّه‏ وبدون أدوات ومواد طبّيّة، وفوق ذلك كان يعالج الميّتة أجسامهم بالإحياء، لكنّه عجز عن إحياء العقل الميّت، وما من نبيّ له مثل هذه المقدرة. وقد خاطب القرآن الكريم خاتم الأنبياء محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بقوله: «إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ».

فالفكر عندما يموت لا يعود المرء يدرك شيئًا من الدنيا إلاّ ظاهرها، ويتوهّم أنّ ما يفهمه منها هو الصحيح لا غير: «يَعْلَمُونَ ظَهِرًا مِّنَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ»۲.

1.الاختصاص : ۲۲۱ .

2.۲ ـ الروم : ۵۲ ، ۷ .


العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
188

لا يعلم أنّه لا يعلم. وعلى كلّ الأحوال فإنّ على العالم تعليمه، وعليه التعلّم.

وتشمله الآية الكريمة «فَسْٔلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ».

۴ ـ الجهل المركّب

الحالة الرابعة هيالجهل المركّب الذي يتألّف من جهلين هما: عدم العلم، وتوهّم العلم. والجاهل المصاب بهذا الجهل لا يعلم ويتوهّم أنّه يعلم، ويبدو أنّه المقصود بالجملة القائلة: «لا يَعلَمُ، ولا يَعلَمُ أنَّهُ لا يَعلَمُ»، وكذلك «لا يَدري، ولا يَدري أنَّهُ لا يَدري» الواردة في روايتي هذا الفصل. ولهذا صرّح الإمام عليّ عليه‏السلام أنّ واجب الآخرين إزاء مثل هذا الجاهل هو الرفض «فَذاكَ جاهِلٌ فَارفُضوهُ»، وأمر الإمام الصادق عليه‏السلام الناس باجتنابه بقوله: «فَذاكَ أحمَقُ فَاجتَنِبوهُ».

داء بلا دواء۱

السؤال الذي يُثار هنا يرمي إلى تقصّي السبب الذي جعل الأحاديث ـ الواردة في هذا الباب بشأن التعامل مع أصناف الجهّال ـ توجب على الواعين من أبناء المجتمع تنبيه الغافل والجاهل البسيط، في حين لا توجب عليهم شيئًا إزاء المصاب بالجهل المركّب، بل وتحثّهم على رفضه واجتنابه ؟

وجواب ذلك: هو أنّ الجهل‏المركّب أخطر أنواع‏الجهل،وهو في الحقيقة داء لا دواء له. فالشخص الذي لا يعلم ويتصوّر أنّه يعلم مُصاب ببلاء خطير هو الشعور بأنّه يعلم. ومثل هذا المرض إذا اتّخذ طابع المرض المزمن يتعذّر علاجه.

قال الإمام الصادق عليه‏السلام في هذا المضمار: «مَن اُعجِبَ بِنَفسِهِ هَلَكَ، ومَن اُعجِبَ

1.من جملة الأشعار الواردة في هذا الباب ، قول الشاعر :
لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ يُستَطبُّ بِهِإلاَّ الحَماقةَ أعيَت مَن يُداويها

  • نام منبع :
    العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3467
صفحه از 316
پرینت  ارسال به