177
العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة

خلافًا للنهج المتعارف الذي يضع الجهل كعنصر مقابل للعلم.

فأنت حينما تراجع كتب الحديث لا تجد فيها عنوان «العلم والجهل»، خلافًا لعنوان «العقل والجهل» الذيتجده عادة في معظم أو كلّ الكتابات التفصيليّة. والسرّ الكامن وراء ذلك هو أنّ الإسلام يعتبر الجهل بمفهومه الرابع ـ وهو أمر وجوديّ ويقف في مقابل العقل ـ أخطر من الجهل بمفهومَيه الثاني والثالث، وهو أمر عدميّ ويقف في مقابل العلم.

وبعبارة اُخرى: تدلل المواجهة بين العقل والجهل في النصوص الإسلاميّة على أنّ الجهل الذي يكون في مواجهة العقل أخطر من الجهل الذي يكون في مواجهة العلم، وما لم تُستأصل جذور هذا الجهل من المجتمع لا يغنيه شيئًا اقتلاع جذور الجهل المقابل للعلم، وهذه نقطة في غاية الظرافة والدقّة، فافهم واغتنم.


العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
176

۱ ـ أخطر الجهل

النقطة الاُولى هي أنّ الإسلام على الرغم من شدّة محاربته للجهل وخاصّة بمفهومه الثالث، إلاّ أنّه يعتبر أخطر أنواعه هو نوعه الرابع ؛ أي اختيار واتّباع السبيل الذي تدعو قوى الجهل الإنسانَ إليه ؛ لأنّ الإنسان إذا سلك النهج الذي يرسمه له العقل فسيحظى من غير شكّ بالتسديد والهداية من العلم والحكمة وسائر جنود العقل لبلوغ مبدأ الإنسانيّة وغايتها، واكتساب جميع المعارف المفيدة والبنّاءة، ويصل على قدر استعداده وجهده إلى الحكمة من وراء خلقه.

أمّا إذا اختار الإنسان طريقًا من الطرق التي يقتضيها الجهل، وأغلق جنودُ الجهل أمام وجهه سبيلَ إدراك المعارف البنّاءة والحقائق السامية التي تبصّره بالغاية العليا للإنسانيّة، فإنّه في مثل هذه الحالة سيهلك بمرض الجهل حتّى لو كان أعلم العلماء على وجه الأرض، وسوف لن ينفعه علمه في هدايته «وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ»۱.

وعلى هذا الأساس، حينما يطرح موضوع «الجهل» على بساط البحث، يتركّز محور الحديث عادة حول مفهومه الرابع، ثمّ تتدرّج من بعده سائر مفاهيم الجهل الاُخرى وفقًا لأهمّيّة كلّ منها.

۲ ـ المواجهة بين العقل والجهل

القضيّة المهمّة الاُخرى هي إيضاح السرّ الكامن وراء المجابهة بين العقل والجهل في النصوص الإسلاميّة.

والسؤال الذي يثار في هذا الصدد يستهدف معرفة السبب الذي جعل النصوص الإسلاميّة ـ ومن جملتها كتب الحديث ـ تضع الجهل في مقابل العقل،

1.الجاثية : ۲۳ .

  • نام منبع :
    العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3606
صفحه از 316
پرینت  ارسال به