235
رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)

المدينة ، وكان الراوي حينئذٍ بها إلاّ أنّه لم يَسْمَع منه شيئا ۱ ؛ مُدَلِّسا بذلك .
و كون «سمعتُ» في هذه الطريقِ أعلى منهما مذهبَ الأكثر ؛ لما ذكرناه .
(و قيل : هما أعلى) منها ؛ لأنّه ليس في «سمعتُ» دَلالةٌ على أنّ الشيخَ روى الحديثَ وخاطَبَه به ، وفي «حدّثنا وأخبرنا» دلالةٌ على أنّه خاطَبَه ورواه له ۲ .
و فيه : أنّ هذه وإن كانت مزيّةً ، إلاّ أنّ الخطبَ فيها أسهلُ من احتمالِ الإجازة والتدليسِ ونحوهما ، فيكون تحصيل ما ينفي ذلك أولى من تخصيصه باللفظِ أو كونِه من جملة المقصودين به ؛ إذْ لا يفترقُ الحالُ في صحَّة الرواية بهذه المرتبة بينَ قصدِه وعَدَمِه .
(ثُمّ) بعد «حدّثني وحدّثنا» في المرتبة ، قوله في هذه الحالة : («أخبرنا») ؛ لظهور الإخبار في القول ، ولكنّه يُستعمل في الإجازة والمكاتبة كثيرا ؛ فلذلك كان أدْونَ .
(ثُمَّ «أنْبأنا» و«نَبّأنا») ؛ لأنّ هذا اللفظَ غالبٌ في الإجازة ، (و هو قليل) الاستعمالِ (هُنا) قبلَ ظُهورِ الإجازةِ ، فكيفَ بعدَها؟!
(و) أمّا قول الراوي : («قال لنا» و«ذكر لنا») فهو (من قبيل «حدّثنا») ، فيكون أولى من «أنبأنا ونبّأنا» ؛ لدَلالته على القول أيضا صريحا ، (لكنّه) ينقُصُ عن «حدّثنا» بأنّه (بما سُمِعَ في المذاكرة) في المجالس (و المناظرة) بين الخصمين (أشْبَه) وألْيق (من «حدّثنا») ؛ لدلالتهما على أنّ المقامَ لم يكن مقامَ التحديث ، وإنّما اقتضاه المقامُ .
(و أدناها) أي أدنى العباراتِ الواقعةِ في هذهِ الطريقِ ، قولُ الراوي بالسَماعِ : («قالَ فلان» ولم يقل : «لي» أو «لنا») ؛ لأنّه بحسبِ مفهومِ اللفظ أعمُّ من كونه سَمِعَه منه أو بواسطةٍ أو وسائطَ، (و هو) مع ذلك (محمولٌ على السَماعِ) منه عرفا (إذا تحقّق لقاؤه) للمرويّ عنه ، لاسيّما ممَّنْ عُرف أنّه لا يقول ذلك إلاّ في ما سَمِعَه.

1.حكاه عن الحسن : ابن الصلاح في مقدّمته : ۹۸ ؛ والطيّبي في الخلاصة في أُصول الحديث : ۱۰۰ ؛ والسيوطي في تدريب الراوي ۲ : ۹ ؛ والسخاوي في فتح المغيث ۲ : ۱۵۵ .

2.القائل هو ابن الصلاح في مقدّمته : ۹۹ . وحكاه عن الطيّبي في الخلاصة في أُصول الحديث : ۱۰۱ ؛ والسيوطي في تدريب الراوي ۲ : ۱۰ .


رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
234

و هو) أي السَماع من الشيخِ (أرْفَعُ الطُرقِ) الواقعةِ في التحمّلِ (عند جُمهورِ المحدّثين) ؛ لأنّ الشيخَ أعرفُ بوجوه ضبط الحديثِ وتأديته .
و لأنّه خليفةُ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم وسفيرُه إلى أُمّته ، والآخدُ منه كالآخد منه .
و لأنّ النبيَّ صلى الله عليه و آله وسلم أخبر الناس أوّلاً وأسمَعهم ما جاء به ، والتقريرُ على ما جرى بحضرته صلى الله عليه و آله وسلم أولى .
و لأنّ السامعَ أربطُ جأشا وأوعى قلبا ، وشغل القلبِ وتوزّع الفكر إلى القارئ أسرعُ .
و في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : يجيؤني القومُ فيسمعون منّي حديثكم فأضجر ولا أقوى . قال : «فاقرأ عليهم من أوّله حديثا ، ومن وسطه حديثا ، ومن آخره حديثا» ۱ .
فعدولُه عليه السلام إلى قراءةِ هذه الأحاديثِ مع العجزِ ، يدلُّ على أولويّته على قراءة الراوي ، وإلاّ لأمر بها .
(فيقول) الراوي بالسَماع من الشيخ في حالة كونه (راويا لغيره) ذلك المسموعَ : («سمعت) فلانا ...» إلخ .
(وهي) أي هذه العبارةُ (أعلاها) أي أعلى العبارات في تأدية المسموع ؛ لدلالته نصّا على السَماعِ الذي هو أعلى الطُرُق .
(ثمّ) بعدَها في المرتبة أن يقول : («حدّثني» و«حدّثنا») ؛ لدَلالتهما أيضا على قراءةِ الشيخ عليه ، لكنّهما يحتملان الإجازةَ ، لما سيأتي من أنّ بعضهم أجازَ هذه العبارة في الإجازة والمكاتبة ، بخلاف «سمعتُ» فإنّه لا يكادُ أحدٌ يقول : «سمعت» في أحاديث الإجازة والمكاتبة ، ولا في تدليس ما لم يَسْمَعْه .
و رُوي عن بعضِ المحدِّثين أنّه كان يقول : «حدّثنا فلانٌ» ويتأوّل أنّه حدّث أهل

1.الكافي ۱ : ۵۱ ـ ۵۲ / ۵ باب رواية الكتب والحديث .

  • نام منبع :
    رسائل في دراية الحديث (الجزءُ الأول)
    سایر پدیدآورندگان :
    به اهتمام: ابوالفضل حافظیان بابلى
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1382
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 9859
صفحه از 616
پرینت  ارسال به