السبب الثامن والثلاثون : الاستعداد والفعليّة
قد تختلف الأحاديث في ظاهرها بأن يُخصّ شيء أو شخص بحكم أو أثر أو فضل دون شيء أو شخص آخر، بل قد ينفى ذلك عن الآخر ، مع دلالة الأحاديث على تساويهما . بل دلّت الأحاديث والآيات القرآنية ، على أنّه لا فضلَ ولا كرامةَ لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لرجل على امرأة، إلاّ بالطاعة والتقوى . ونجد أحاديث كثيرة ـ لاريب في صدورها إجمالاً ـ تُثبت نحوَ فضل لبعض على بعض . فيقع التنافي بينهما، ويندفع بالتأمّل فيها ؛ لصحّة حمل الطائفة الاُولى منها على ما بالقوّة والاستعداد ، والثانية على ما بالفعل . فإنَّ اللّه سبحانه وإن لم يجعل لأحد على أحد فضلاً فعليّا إلاّ بالتقوى والدين والطاعة ، ولم يجعل لعناصر الناس وأقوامهم وأنسابهم أي أثر في الأفضلية، إلاّ جعلهم متفاضلين ـ إجمالاً ـ في مقام إعطاء القوى والإستعدادات وأسباب التقدّم والفضل .
وإذا تأمّلت في الآيات المباركة : (الحجرات: ۱۳ ، النساء: ۳۲ ، الزخرف: ۳۲ ، الجمعة: ۳ و۴) وجدت أنَّها تفيد أنّ اللّه تعالى سوّى بين الخلق في إعطاء شرائط التكليف ومؤهّلاته؛ كالعقل والاستطاعة ، مهما كانوا متفاضلين في مقاديرها « لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً » ۱ .
ثمّ وجّه إليهم تكاليف وأحكاما فمن استخدم إرادته وقواه في الطاعة والتقوى فهو أكرم عند اللّه تعالى ، ومن تخلّف فقد هلك ، أيّا مَن كان .